" لمعلمين " الإحساس ببطر الحق وغمط الناس

غلاف الكتاب

 

عنوان كتاب صدر حديثا، يسعى لتسليط الضوء على تهافت الافتراءات والأكاذيب والأساطير التي نسجت حول فئة "لمعلمين" التي عانت من هذا الظلم الخرافي المغلف بغلاف الدين.

يعرض الكتاب لأهمية الذب عن العرض والتحذير من خطورة التعرض لأعراض المسلمين، ويستعرض الأكاذيب المطلقة كـ"أحاديث" و"أنظام" على غرار الأنظام الفقهية، ألفت قديما للتقليل من أهلية القوم وعدم اعتماد شهادتهم وعدم جواز الصلاة خلفهم... إلى غير ذلك من المسائل النمطية التي انطبعت في الذاكرة الجمعية ضد هذه الفئة.

مؤلف الكتاب هو محمد غالي بن محمد المختار بن سيدي القربوزي. وتقديم كل من الشيخ حمنين الطالب ابراهيم والشيخ سيدي محمد دبن أحمد فال القلاوي الشنقيطي مع ملحق للشريف الصالحي: الحسن بن الشيخ سليمان سماه: "القول الحسن فيما ألحقه النسَّابةُ الحسن".

وثيقة لمعلمين المطلبيّة.. رؤيةٌ لغد أكثر انسجاماً ووئاماً

 

 

altمن كان يعتقد أنه في حقبة من حقب الدولة الموريتانية سيتجاوز أبناء فئة لمعلمين العقدة ويرفعون عقيرتهم في وجه الظلم والغبن ؟ ومن كان يتصور أنه سيظهر حراك مجتمعي لفئة لمعلمين سعيا وراء الحقوق؟ ثم من كان يتخيل أن يخرج إلى النور كتاب يطبع على غلافه الأنيق عنوان يتحدث عن مظلمة لمعلمين ؟


هي سنة كل حراك اجتماعي يطالب بالحقوق، و"حراك لمعلمين" يدخل في إطار سنة التدافع البشري، بدأ بأصوات مبحوحة وأفراد لا يجمعهم مكان ولا زمان ولا تنسيق، ثم تطور ليظهر من خلال منظمات ومبادرات اجتمعت فيما بعد في منسقية تستظل بمظلة واحدة تجمع خمس مبادرات ومنظمات (مبادرة "لمعلمين لمقاومة التهميش"، منظمة "إنصاف"، حركة "لا لظلم لمعلمين"، منظمة "وعي لا للتمييز"، منظمة "عدل" للأخوّة والمساواة) أخذ أصحابها على عاتقهم إخراج هذه الشريحة من إطار العزلة إلى فضاء المزاحمة في الحياة الكريمة المكفولة شرعا.


برز سؤال كثيرا ما طرح من طرف البعض عن أسباب الحراك والمطالب، وهو ما انتبه إليه رؤساء هذه المنظمات والمبادرات وأخذوا على عاتقهم الإجابة عن هذه الأسئلة الموضوعية، وأخرجوا للرأي العام وثيقة تتحدث عن مظلمة لمعلمين وتقدم حلولا لوضعيتهم الاجتماعية، ما يمهد لبناء مجتمع متساوٍ في الفرص، في الحقوق والواجبات، ويؤسس لبنائه على أساس من العدالة قويم.


استهلت الوثيقة الحديث عن المظلمة من الناحية الاجتماعية التي هي مبدأُ هذا الظلم ومرتعُه؛ الظلم الذي تتجلى تبعاته في الجانب السياسي، ويعرف مظاهره في الجانب الثقافي، ويلقي بظلاله على الجانب المهني، ونهجت في الأسلوب تشخيص هذه الجوانب ثم طرح حلول لكل جانب على حدة. ما يضع المعنيين أمام مسؤولياتهم لكي يعدلوا بين الناس.


ففي الجانب الاجتماعي سلطت الوثيقة الضوء على جوانب الظلم الذي عانت منه الفئة، ذلك الذي تسببت به الخرافات المغلفة بغلاف الدين، والتي استمرأ هذا المجتمع اجترارَها وتوريثَها وإثراءَها وتكريسَها، ثم طرحت حلولاً تُحمّل فيها الدولة مسؤولية معالجتها بما تمتلكه من وسائل يمكنها المساهمة في معالجة هذه النظرة النمطية بتصحيح المفاهيم الخاطئة تجاه الشريحة، عبر منابر الأئمة والعلماء وشيوخ المحاظر وكذا برامج الإعلاميين ومنتديات المثقفين ، وهكذا يتحملون مسؤوليتهم تجاه هذه الشريحة بعد صمت دام ردحاً من الزمن، اللهم إلا من أصوات منصفة لم تقف مواقفها المناصرة لهذه الشريحة في وجه الزيف الذي حِيكَ بعناية ووُرّث بانتظام.


أما في الجانب السياسي فقد وقفت الوثيقة على مظاهر التمييز التي تجد امتدادها من تلك النظرة الدونية المبنية على الخرافة والأحاديث المكذوبة، وكيف تتعاطى الأحزاب السياسية ومؤسسة الدولة مع أطر هذه الشريحة الأكفاء في شتى المجالات، وكيف أنهم لا يجدون أنفسهم - من بين أبناء الوطن - كأطر يمكن أن يساهموا في بناء الدولة.


أما المحور المهني فقد عمدت الوثيقة إلى كشف جوانب الإهمال المستمر الذي عرفه هذا القطاع والتنكّر والجحود الذي قوبلت به هذه الفئة، وهي التي لعبت دورها على أكمل وجه في بناء هذا المجتمع منذ ما قبل نشأة الدولة حيث كانوا يوفرون للناس أدوات العيش ووسائل الترحال وعتاد الدفاع، فلم يجدوا ما يمكنهم من العيش الكريم كونهم يمتهنون مهنة نفعت الناس عبر العصور، ولم يحظوا باحتفاء من طرف مجتمع كانوا ركيزته التي يتّكِئُ عليها في شتى مناحي الحياة، ولم تُعرهم الدولة بالاً كالإشادة بدورهم جزاء دورهم الريادي.


وثيقة لمعلمين المطلبية، وثيقة مكتملة الجوانب، تجيب على الأسئلة المطروحة، وتشخص الخلل وتطرح الحلول، وتضع الدولة ونخب المجتمع أمام مسؤولياتهم تجاه هذه الشريحة. وثيقة اعتمدت في لغتها على الاعتدال في طرح قضية وطنية يروم أصحابها معالجة الخلل المجتمعي للمحافظة على نسيجه في إطار من الألفة والأخوّة والتلاحم ما بين فئاته. وما دامت النوايا صادقة لمعالجة هذه القضية فسوف يجد ضمنها كل من يسعى لإنصاف هذه الشريحة الحلول الناجعة لذلك.

بقلم/ محمد يحيى بن عبد الرحمن

الناطق الرسمي باسم المنسقية العامة لحراك لمعلمين

لمعلمين : حق الهوية..وجريمة الصورة النمطية/ مختار نافع حبيب

alt

كشف احتكاكُ المجتمع الموريتاني بالمدنية الحديثة الغطاءَ عن تناقضات تركيبته الاجتماعية، والطبقية المغلقة التي تحكمها، ومنذ ذلك الوقت والصيحات المستنكرة لهذه الطبقية تتالى؛ بعضها صيحات ثقافية من مثقفين أدركوا حجم الظلم المادي والمعنوي المتولد من هذه الطبقية، والآخر نضالات حقوقية من مجموعات اكتوت بهذا الظلم.

 

في هذا الإطار يفهم تعالي الحديث الذي يسلط الضوء على الظلم الثقافي والمادي الذي تعانيه شريحة لمعلمين جراء الموقع الذي "جادت" لها به التراتبية الطبقية التي يقوم عليها نظامنا الاجتماعي، والتي يجزم بعض الباحثين بأنها تصنف ضمن نظام "الطبقات المغلقة" أشد أنواع الطبقية ظلما وانغلاقا.

ولهذا فإنه من الطبيعي أن يثير  مثل هذا الحديث –ككل دعوة أو قضية- رد فعل من سدنة الطبقية، تشكيكا أو تلبيسا، وقد كان!! و لأن التشكيك غير مجد عادة وتأثيره قصير الأمد فإن التلبيس، المتصف بقوة التأثير وطول مدة المفعولية، هو الذي يستحق التوقف عنده، وذلك ما جاءت هذه المقالة لتفعله.

 

البيظان: الهوية الطاردة المطاردة

إن من الحقائق الاجتماعية التي يغفل عنها الكثير ممن يدرسون القضايا الحقوقية للمجموعات: مركزيةَ الهوية والخصوصية الثقافية بالنسبة لوجود المجموعات، وأن وضوح الهوية الثقافية والكينونة المعنوية للجماعات بمثابة "التوازن النفسي" للأفراد، فكما يحتاج الفرد إلى تكوين نظرة إيجابية عن نفسه لكي يجد لوجوده معنى (والإنسان "يبحث عن معنى" كما يقرر فكتور فرانكل) فكذلك تحتاج المجموعات أن تُكوِّن نظرة كهذه عن نفسها وأن تتقدم للآخرين عبرها، وكما تسمى هذه النظرة لدى الأفراد بالشخصية فإنها عند الجماعات والمجموعات تسمى "الهوية"

 

 و أهم ما يستوقفنا في موضوع الهوية الثقافية عند "لمعلمين" هو الحالة الغريبة للهوية البيظانية التي يراد للمعلمين وشرائح أخرى الانطواء تحتها رغبوا أم رفضوا.

 

فهذه الهوية لا تقبل للمعلمين وغيرهم من شرائح الأتباع في النظام الطبقي القديم أن يكونوا جزء كاملا منها أي بيظانا100% ولكنها لا تقبل لهم أيضا الانفصال عنها وتكوين هوية خاصة بهم، فأنت حين تخاطب الإنسان العادي واصفا "معلما" او حرطانيا أو "لحميا" أو باختصار غير الزاوي والعربي، بانه بيظانيا فلن يقبل منك ذلك، ولكن عندما يصف أحد هؤلاء نفسه بأنه غير بيظاني، وخاصة في معرض التميز، فإنه يواجه بتلك المقولة الجاهزة دأبا : "هذا كامل الَّا البيظان" وقد يكون للأمر جانب من الصحة ولكنهم بيظان من درجات: فهناك "بيظان الدرجة الأولى" وبيظان الدرجة الثانية والثالثة والرابعة وربما العاشرة.

 

إن هوية البيظان تمتاز بأنها "طاردة" لكل من يريد الدخول فيها من طبقات الأتباع، و"مطاردة" لكل من يريد منهم الخروج منها، في تناقض غريب لا يشبهه إلا حرص بعض الدول على إخضاع "أراضي" الأقاليم الانفصالية سعيا وراء مواردها، وإهمال "شعوب" هذه الأقاليم احتقارا لها.

 

 

أشرار.."ولو طارت"

تعرف الصورة النمطية بأنها "فكرة مسبقة تلقي صفات سلبية على كل أفراد طبقة أو مجموعة" ولأن هذا التصوير السلبي سيلازم هذه المجموعة ويؤثر على مكانتها وكيانها جماعة وأفرادا فإنه يعد جريمة ضد هذه المجموعة، ومن ثم فهو جريمة ضد الإنسانية، إذ هو قتل معنوي ينطبق على مرتكبه أنه "قتل الناس جميعا".

ولا أظن أن اثنين يختلفان في فظاعة الصورة النمطية التي رسمتها الثقافة الطبقية لشريحة "لمعلمين" ولذلك فلا حاجة بنا لاستعراض جوانب هذه اللوحة القاتمة التي ركبها المخيال المنحرف عن صراط الشرع وسلامة الطبع من أشد الأوصاف استقباحا لدى الناس.

 

لكن ما يهم التوقف عنده هو الآلية التي نجح بها العقل الجمعي لمجتمعنا الطبقي في ترسيخ هذه الصورة النمطية، وأغرب ما في منهجية هذا التسويق هو حالة المكابرة المراوِغة التي  يعبر عنها المثل: "لا خير في الحداد ولو كان عالما" فالشائع هو أن مسوقي الصورة النمطية -سعيا وراء شيطنة ضحاياهم-  يرفضون رفضا باتا الاعتراف لهم بأي فضيلة، ولكن هذه الطريقة قد تفشل عندما يكتشف المتلقي ما يخالفها لأن الحقائق لا تعدم قلوبا صافية تنساق فيها، ولذلك جاء "منطق أهل لخيام"  بابتكار جديد يجمع بين الاعتراف بالحقيقة وإنكارها في نفس الوقت!!

 

 و"أبدع" ما في هذا المثل، الذي يعد من "الأساطير المؤسسة" في التصوير النمطي للمعلمين هو تركيزه على الفضيلة التي اشتهر بها هؤلاء: أي التميز الثقافي والعلمي، فإذا لم يكن "لمعلمين" أخيارا بالعلم، وهم المبرزون في الذكاء باعتراف الجميع، فلن يكونوا أخيارا أبدا.

 

وكخلاصة: لقد اخترت في هذه العجالة التركيز على بُعد قضية لمعلمين الثقافي، وشرح جانبها الحقوقي المعنوي؛ سواء منه حق هذه الفئة في الاعتبار المعنوي والاعتراف بهويتها الثقافية المتميزة ومكانتها التاريخية، أو محاربة الجريمة الثقافية المرتبكة في حقها بتقديمها في صورة نمطية قاتمة.

و من المعلوم أن ضمان الحقوق الثقافية ومحاربة الجرائم المعنوية ركنان ركينان في تحقيق الإنصاف والعدل بين الناس يكفلهما الشرع القويم والطبع السليم وتقوم عليهما مبادئ حقوق الإنسان التي تعارفت عليها البشرية.

 

 

على أن تركيزنا على البعد الثقافي  لا يعني موافقة للطرح الذي يقول إن مظلمة هذه الفئة مقتصرة على الظلم المعنوي وليست لها مظاهر مادية مثل التهميش والإقصاء...إلخ، وإنما هو حديث يركز على أصل المسألة ولا ينفي ما تفرع عنه.

سجل: أنا امعلم ! / الحاج ولد ابراهيم

alt

 

من بين الاشياء القليلة التي تدعوا للفرح في موريتانيا هو ذالك الوعي المتزايد لكثير من الفئات الاجتماعية التي صنفها المجتمع على الهامش ـ دون خوض في ذالك الهامش مركزه وهامشه ـ  بهويتها من تكون وماذا تريد. الظاهرة الاولى كانت قبل سنتين عند ظهور الانعتاقية وأيقونتها بيرام ولد الداه ولد اعبيدي ممثلة لشريحة العبيد والعبيد السابقين. الظاهرة الثانية هي حركة لا تلمس جنسيتي ممثلة لفئة الزنزج الموريتانيين الذين استشعروا التهديد من الأحصاء الجديد الذي لم يبدا التحسيس بأهميته ووطنيته الا بعد ان سالت الدماء وزهقت الارواح من طرف واحد. الظاهرة الثالثة لم تتجسد بعد كحراك مجتمعي أو فئوي كما سيفضل البعض ان يسميه بل هي حركة في طور التبلور او ربما يجب ان تكون التالية كي يكتمل عقد النضال السلمي لكافة الفئات المسحوقة اجتماعيا للحصول على مكانها اللائق بين مكونات المجتمع الموريتاني الا وهي فئة الصناع التقليديين  او "لمعلمين". البداية في كل نضال كما يعرف الجميع هي الوعي ضديا كان او تصالحيا ـ مع ان الهدف النهائي من الوعي الضدي هو التصالح بعد رفع الغبن او هكذا يتصور لي عدا ذالك يسمى انتقاما والانتقام فعل نفسي قصير المدى يضمر مفعوله ويختفي ساعة تحققه.

ما اوده هنا هو لفت الانتباه الى كيفية تبلور هذا الوعي الذي شاهدت بداياته من خلال مجموعة في العالم الافتراضي ينشط فيها شباب من هذه الفئة ويقلون فيه كلاما اسمعه لاول مرة. اعتقد ان السبب في تاخر ظهور حراك اجتماعي لفئة لمعلمين يوازي الحراك المجتمعي الاخر متشعب منه ماهو ذاتي ومنه ماهو موضوعي. اعتقد ان السبب الاول فيما اعتقد انه مشكلة "لمعلمين" هو ازمة الهوية التي تعانيها هذه الشريحة. فغير الطرفاء من شريحة "لمعلمين" نادرا ما يعرفون انفسهم على انهم "امعلمين". فكثير منهم يعرفون انفسهم على انهم من القبيلة الفلانية دون تفصيل الا في حالة الحاح السائل بسوء نية او بدونها. والسبب في هذا هو كون "لمعلمين" فئة منبوذة اجتماعيا نسج الخيال الشعبي ـ الذي صنعته ثقافة البيظان ـ حولها أساطير وقصصا مازالت موضعا للتداول والتدوير بصغات و اشكال تختلف اختلاف البيئات الحضرية او المدنية التي يعيشون فيها. لم اطلع بعد على حصر ممنهج لهذه الاساطير والاكاذيب التي نسجت تاريخيا ضد "لمعلمين" ولكن النشأة في هكذا مجتمع كفيلة باشباعك منها رغم انفك. فمثلا يضرب المثل في "لمعلم" التي هي كلمة مدح عند كثير من الثقافات المغاربية والمشرقية ـ يضرب فيه المثل في ثقافة البيظان بالكذب "اكذب من امعلم" والنهم  "اهرد من امعلم" والجبن "اخوال لمعلمين"  والتسرع "احيا روح من امعلم" ويضرب المثل في سذاجة لمعلم لانه "يرقع كدحان الناس قبل كدحانه" ويضرب المثل في عدم الفعالية ب "موس لمعلمه" ذو الجنب الواحد وتستمر هذه الشيطنة لتمتد لغذاء "لمعلم" الذي تخبرنا اساطير الاولين والحاضرين ان له جزء خاص من الشاة ـ الراس ـ تماما كما للعبيد جزئهم الذي يليق باسنانهم القوية ومبالعهم الواسعة ـ السلاليخ ـ وتواصل جوقة الشيطنة لتقول لنا ايضا ان "لمعلم" هابز للنار والادهى من ذالك والامر انه لا خير فيه ولو كان عالما اي لو كان بصيريا، عدودا، او ددوا؟ يا للسخرية! 

طبعا ان المسار المؤسس لهذه الترهات والمنسوجات الشيطانية يحتاج لتحليل انتروبولوجي تضيق الاسطر عن الخوض فيه للتجاوز الى ما هو اهم من ذالك الترف الا وهو الطريقة التي تمكن ضحايا هذا الخيال الضحل من التعامل معه وتجاوزه وهو ما يحققه بعضهم بالظرافة وتبني هذه الترهات بل واحيانا الاستفادة منها. اعتقد ان الخطوة الاولى لتكسير هذه الخرافات المؤسسة لاحتقار فئة كريمة وذكية خدمت هذا المجتمع المسكين تاريخيا ومازالت هي احتوائها وتفريغها من مضمونها القدحي الشيطاني. يكون ذالك بتفكيك هذه الاساطير من خلال الدراسة والتمحيص والنقاش في المنابر المتاحة وهي قليلة ونخبوية حتى الان ولكن سيكون ذالك مفيدا جدا في مراحل قادمة تشهد انفتاحا اكبر لوسائل الاتصال الجماهيري. اما الخطوة الثانية بعد التفكيك هي اعادة البناء والمعنيون بذالك هم ضحايا هذه البنى الثقافية القذرة التي مازالت مترسخة في اذهان الكثيرين ومصدرا لتندرهم ونكاتهم. على شريحة "لمعلمين" بشبابها وابنائها الواعين وغيرهم من القوى التقدمية في البلد المستعدة لبناء مجتمع موريتاني جديد على عقد اجتماعي جديد لا قبن فيه ولا هوامش عليهم العمل على اعادة بناء شخصية "لمعلم" من جديد. عليهم اعادة بناء "امعلم" جديد يفخر بذاته وبامه وجده وما يقدمان للمجتمع من خدمات جليلة رغم النكران والئم التاريخي الذي تواجه به عطاءاتهم. على "لمعلم" الجديد ان يقدم نفسه بكل فخر واعتزاز كسليل لاعل حداد والصوينع و اطراح وضع في القائمة من شئت. على "لمعلم " الجديد ان ينظر بكل فخر في اعين اقرانه وزملائه في الفصل ليقول لهم نعم انا "امعلم" امي صانعة الجمال والكمال الذين تتنعم به في المنزل، في المكتب وفي البادية وابي هو صانع الرحل والتاديت والسكين والطبل والمدفع. واذا تندر عليك وسال عن عشائك او عن غدائك فقل له انه السبب في ذكائك وذكاء اسلافك من بني عبقر. ان ادراك الذات واعطائها حقها سيكون خطوتك الاولى في كسب احترام حتى من لا يريد احترامك...من اشهر القصائد المحكية للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش هي قصيدة يخاطب فيها جنديا اسرائيليا يهينه ويحتقر وجوده بجملته المشهورة بل وامره للجندي الاسرائيلي  سجل أنا عربي...بامكان كل "امعلم" واعي بهويته ،واثق من نفسه وفخور بما قدم اجداده لهذه الارض ومن عليها ان يخاطب الجميع من جديد ويقول ...سجل انا امعلم ويقلب الصفحة...

لمعلمين ماذا يريدون ؟! / محمد يحيى بن عبد الرحمن

alt

 

على مر العقود الماضية عانت فئة لمعلمين غبناً وتهميشاً ممنهجاً تواصت به أجيال تتوارثه كابرا عن كابر في صمت مريب من بعض الأئمة وشيوخ المحاظر والعلماء، وظل القوم يقاسون إقصاء معنويا استمر لعقود رامَ القضاء على طموحهم بنسج خرافات تقال في حقهم كبحا لتطلعاتهم المشروعة، وتقوّلاً على الدين، وإمعاناً في إهانتهم، وتحطيماً لمعنوياتهم، ووأداً لهم في المهد. أُشفِع ذلك بتناسٍ هو الآخر لا يعدو كونه وفاء لسنة تهميش اتفق عليها كل من تعاقب على إدارة شؤون دولة السائبة هذه، بحيث حرمت كفاءاتهم العالية من الإسهام في تسيير شؤون البلد العامة في مراكز القرار.

ونتيجة للوعي الذي دبَّ في الفئة مؤخرا ارتفعت أصوات مطالبة بوقف هذا الزيف الذي يقال في حق القوم، مطالبة بإنصافهم ورد الاعتبار لهم لما لحق بهم من أذى نفسي كبير، وهو ما حدا بالبعض أن يستنكر هذا الحراك، وبالبعض الآخر أن يؤازره، وبآخرين طرح التساؤل: ماذا يريد هؤلاء؟!!

لقد أدركت هذه الفئة مؤخرا أنه يجب أن يتوقف سوء القول الذي يسامون به بهتانا وزوراً، وآلَتْ على نفسها أن لا تتوقف عن المطالبة بحقوقها حتى تنالها كاملة غير منقوصة:

* وضع حد لهذا الزيف المتواصل والذي يعاني منه أبناء هذه الفئة حتى لا يقضى على طموحهم وتطلعاتهم كالأجيال السابقة التي عانت من هذا الظلم المستمر، وذاك ما يحتم على الدولة الموريتانية أن تمعن النظر جيدا فيما يترتب على هذا التجاهل المستمر منذ عشرات السنين، وتسعى لتجنيد منابرها بهدف القضاء على هذه الخرافات، والسعي لترسيخ الوعي بين فئات المجتمع، وتجسيد تعاليم الدين المساواتية بحيث لا تظل مجرد شعارات تلوكها الألسن ولا تعتقد بها القلوب.

* السعي في القضاء على الخرافات التي تعشعش في أذهان المجتمع من خلال منابر الجمعة وحلقات الدعوة وصالونات الفكر بتسمية الأشياء بمسمياتها، ومحو تلك الخرافات من ذاكرته التاريخية الموثقة في بعض متونه التي لم تراع أخلاقاً ولا حرمةً في تطرقها لمثل تلك الخرافات التي تمجّها الدهماء. والبدء في كتابة تاريخ ينصف القوم ويعطيهم حقهم من الذكر والإنصاف لإسهامهم في كل ما أنجز على هذه الأرض.

* العمل على إعطاء رموز هذه الفئة من مفكرين وعلماء وفقهاء وأئمة ودعاة وكوادر في شتى الميادين إعطاءهم حقهم من الذكر والاعتبار على غرار غيرهم ممن يتمتعون بهذه المزايا بكل أريحية وسهولة - وهم كثر تشهد لهم الساحة العالمية بإنجازات لم يعرفوا في وطنهم لها سبيلا، فمعروف أن محمد بن علي الشنقيطي مفسر القرآن الكريم والداعية في الديار المقدسة، ومحمد المختار ولد امحيمدات ناظم مختصر خليل بن إسحاق وشارحه في أربعة مجلدات وعضو لجنة الفتوى في الإمارات العربية المتحدة، والدكتور محمد ولد عبدي قامة الأدب والنقد السامقة عالميا، وآخرين مضوا رحمهم الله كالعالم والدكتور محمد ولد ماديك محقق كتاب الكافي لابن عبد البر، رموز من هذه الفئة وأمثلة على إقصاء القوم الممنهج ومنعهم من حقهم المعنوي بحيث يتمتعون به كسائر أبناء هذا الوطن - وذاك ما ينبغي على الإعلام العمومي أن يعيد النظر فيه بفتح منابره لأعلام هذه الشريحة ليبثوا فكرهم وليساهموا في تنوير العقول والقضاء على مظاهر الطبقية التي نرزح فيها متخلفين.

* تكريم أجدادنا لما قدموه من خدمة لهذا البلد في شتى الميادين؛ بما أهدوه للعالم في زاويته من أدوات العليم، وما أمدوا به المقاتل في الجبهات، وما وفروه من وسائل العيش والترحال للخيمة البدوية في سعيها لحثيث وراء الكلأ.

* منح العباقرة المبتكرين من هذه الفئة حقهم المعنوي والمادي المستحَق، وحماية حقوقهم الفكرية، والاهتمام بهم كعقول يعول عليها في الإسهام في بناء هذه الدولة في شتى ميادينها بابتكارات تساعدها في التقدم. والحيلولة بين ما يقومون به وبين السماسرة اللصوص الذين يمصون دماء هؤلاء بسرقة إنجازاتهم وابتكاراتهم الفذة وبيعها لجهات خارجية ويحصدون من ورائها أموالا طائلة.

تمكين الصناع التقليديين من هذه الفئة بتسيير شؤونهم بأنفسهم في إطار مستقل بلا وصاية من غير أهل التخصص، إذ كثيرا ما كانت الدولة وفية لسياسات التهميش التي تجعل منهم تبعية.

كل هذه حقوق مشروعة لأي مواطن كان في هذه الدولة - والتي حرمت منها هذه الفئة طوال عقود مضت – وعلى الدولة السعي في تدارك التقصير في حقها بتحقيق هذه المطالب إنصافا ورداً للاعتبار، وتكريسا للندية والمساواة، وتعضيدا للوحدة الوطنية بين فئات هذا الشعب.