مقابلة موقع الصحراء مع القيادي في حراك "لمعلمين" الأستاذ أحمد ولد السالم

 

alt

أجرى موقع الصحراء التابع لمركز الصحراء للدراسات والاستشارات مقابلة شاملة مع الأستاذ أحمد ولد السالم رئيس مبادرة "إنصاف" والقيادي في حراك "لمعلمين" الأخير، حيث تعرضت المقابلة لمختلف جوانب هذا الحراك وأفقه في المستقبلين القريب والمتوسط.

وقدم ولد السالم خلال المقابلة خلاصة عن حراكهم الذي لا زال في سنواته الأولى، معرفا القراء الكرام بمبادرته ومكانتها ضمن الطيف السياسي للبلاد ومطامحهم في المستقبل من خلال تأسيس المبادرة.

المقابلة تأتي ضمن اهتمام مركز الصحراء للدراسات والاستشارات بأطراف المشهد السياسي الوطني الذين سبق وأن أجرى مقابلات مع مختلف قادتهم ولا زال سيكمل مشواره عبر إطلالات لاحقة مع أوجه سياسية واقتصادية وإعلامية جديدة.

نص المقابلة:

مركز الصحراء: أحمد ولد السالم؛ كيف تقدمون نفسكم للقارئ للكريم؟

الأستاذ أحمد ولد السالم:

بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية أود أن أتوجه بالشكر والتقدير والامتنان لمركزكم والقائمين عليه لإتاحة هذه الفرصة لأتحدث إلى جمهور قرائكم الكرام؛ حيث إن هذه هي أول مقابلة صحفية يجريها معي أي موقع إخباري وطني..

وإجابة على سؤالكم فأنا أحمد ولد محمد الأمين ولد السالم ولد اشنيظره من مواليد عام 1969 في مقاطعة باركيول، التي فيها ولدت وفيها درست المرحلة الابتدائية لأكمل لاحقا تعليمي الإعدادي والثانوي بين كيفه وكيهيدي وانواكشوط ثم أكملت المرحلة الجامعية بجامعة نواكشوط التي تخرجت منها عام 1994م بشهادة المتريز، وقد بذلت مجهودا كبيرا للظفر بالمركز الأول؛ حيث إن الجامعة كانت تمنح صاحب المركز الأول لإكمال السلك الثالث، لكني جهودي اصطدمت في آخر لحظة بفساد جامعة نواكشوط حيث كان المركز الأول من نصيب شخص آخر -كان خارج السباق- لقرابته بأحد عمداء الجامعة.

بعد ذلك بأشهر قليلة شاركت في مسابقة لضباط الحرس الوطني لاكتتاب عشرة ضباط وبعد طول انتظار لنتائج المسابقة تم استبعادي ومجموعة من الذين لا حول لهم ولا قوة مثلي، ما جعلني أصاب بخيبة أمل شديدة خاصة أني كنت طالبا مميزا للغاية؛ فقد احتفظت بصدارة قسمي طيلة المرحلة الابتدائية التي اختزلتها في أربع سنوات فقط متخطيا للسنتين الرابعة والخامسة إلى السنة السادسة مباشرة، حيث ترشحت لشهادة "الكنكور" ونجحت في نفس السنة، وفي إعدادية كيهيدي حصلت على أعلى معدل عام في قسمي خلال السنة الثانية إعدادية وفي السنة الثالثة إعدادية وتحديدا في إعدادية السبخة بالعاصمة حصلت على أعلى معدل عام على مستوى إعدادية السبخة عامة، حيث منحني سفير جمهورية العراق في نواكشوط يومئذ جائزة قيمة.

لم تكن ظروف العائلة المادية الصعبة تسمح لي بإتمامي دراستي العليا فبدأت أفكر في طريقة تساعدني في الحصول على مصدر للعيش، إلى أن وقع بصري ذات صباح على إعلان في إحدى الصحف عن رغبة دولة الإمارات العربية المتحدة في اكتتاب 500 شرطي للعمل هناك، فشاركت في امتحان كتابي تقدم له يومئذ حوالي أربعة عشر ألف مترشح -كما سمعت- وكانت هناك شفافية واضحة بسبب إشراف الجانب الإماراتي على العملية؛ حيث حصلت على معدل: (20/17.25) في الامتحان الكتابي، ومن ثم تمكنت من اللحاق بصفوف شرطة ابوظبي التي خدمت فيها لمدة 16 سنة، ومنذ ثلاث سنوات عدت بشكل نهائي إلى الوطن حيث أقيم الآن وأمارس نشاطا تجاريا حرا.

لقد أردت أن أطلعكم وقراءكم الكرام على هذه السيرة الذاتية ليس من باب تضخيم الذات أو الافتخار؛ وإنما لأبين لكم ولقرائكم الكرام جانبا من الإقصاء والتهميش والظلم الواقع على أبناء وبنات هذه الشريحة من مجتمعنا وقتل روح التفوق والإبداع فيها؛ ومن ثم تستطيعون تفهم أسباب ودواعي إنشاء منظمة "إنصاف".

 

مركز الصحراء: هل من تعريف لمبادرة "إنصاف" ودواعي تأسيسها؟

الأستاذ أحمد ولد السالم: منظمة "إنصاف" منظمة حقوقية، نهدف من وراء إنشائها إلى إنصاف أي مظلوم من أبناء شعبنا بشكل عام بغض النظر عن عرقه أو لون بشرته أو انتمائه السياسي، لكن تركيزها سينصب على شريحة "لمعلمين" باعتبار أن معظم أعضائها هم من هذه الشريحة من جهة، وباعتبار أيضا أن هناك عدة منظمات حقوقية تعنى بالدافع عن بقية الشرائح المظلومة والمهمشة الأخرى، وخطاب منظمة "إنصاف" هو خطاب معتدل عقلاني يخاطب العقول والضمائر الحية من أبناء شعبنا بأسلوب بسيط وهادف، وهي بذلك المعنى لم تُنشأ بدافع ثأري؛ وإنما من أجل رد الاعتبار لكل مهمش حتى ينال حقوقه التي تكفلها له مواطَنَته ودستوره الذي صوت عليه.

أما بالنسبة للشق الثاني من سؤالكم عن دواعي تأسيس هذه المنظمة؛ فإن دواعي إنشائها واضحة من خلال اسم المنظمة نفسها؛ أي من أجل تحقيق الحد الأدنى من "الإنصاف" وعبارة "إنصاف" عبارة جامعة، فنحن نريد إنصافا دينيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وحتى تاريخيا –إذا صح التعبير– حيث إن شريحة "لمعلمين" لحق بها أيضا ظلم تاريخي فادح؛ فحين تقرأ كتاب التاريخ لكافة مراحل التعليم لا تجد لهذه الشريحة الذكية والمبدعة ذكرا على الإطلاق، مع أن أبناءها كانوا هم المهندسين الذين وضعوا كافة تصاميم المتطلبات الحياتية للمجتمع الموريتاني القديم، وهم من قام بالتنفيذ أيضا!

انظر مثلا إلى كافة مكونات الخيمة الموريتانية القديمة؛ فكل محتوياتها هي من صناعة أبناء وبنات هذه الشريحة -وبدون أي منازع- كذلك انظر إلى المنمي والمزارع والصياد كلهم كانوا يعتمدون على الصانع التقليدي الموريتاني، وكذلك الحال بالنسبة إلى الفنان الموريتاني "إيكيو" من كان يصنع له آلاته الموسيقية؟ وشيخ المحظرة أيضا من كان يصنع لطلابه الألواح والدواة والقلم وأغلفة الكتب؟ كذلك المحارب من كان يصنع له السلاح والذخيرة والسروج وألجِمة الخيل غير الصانع التقليدي الموريتاني؟

إنكم لو سألتم أي مواطن موريتاني في شرق البلاد وغربها سواء أكان شابا أو شابة شيخا أو عجوزا عمن كان يصنع للموريتاني حاجاته اليومية -قبل الثورة الصناعية وقبل الاستقلال الوطني ونشــــوء الدولة الموريتانية الحديثة وبناء الموانئ والمطارات وقبل التبادل التجاري مع العالم الخارجي- لكان الجواب واحدا: "إنهم لمعلمين"!!

حسنا، ألا يستحق هؤلاء أن يكون لهم ذكر في كتبنا المدرسية، خاصة مادة التاريخ لمرحلة التعليم الأساسي وغيرها من كتب التاريخ الأخرى لتذكير النشء بإسهاماتهم على سبيل الإشادة والتثمين؟ كيف ضاقت كتب التاريخ الموريتانية المليئة بكل ما هو غث وتافه عن استيعاب سطر أو سطرين يُذكر فيها جانب من إبداعات الصانع التقليدي الموريتاني وشقيقته الصانعة التقليدية الموريتانية؟

لقد كان لي الشرف أني أطلقت -غير نادم- الشرارة الأولى لهذا الحراك السلمي المبارك عام 2011 غداة توشيح رئيس الجمهورية الحالي محمد ولد عبد العزيز لرموز وطنية شملت كل ألوان الطيف الاجتماعي للمجتمع الموريتاني عدا شريحة "لمعلمين" وذلك بمناسبة مرور نصف قرن على الاستقلال الوطني، فشكل ذلك استفزازا غير مسبوق لمشاعري ومشاعر أبناء جلدتي، فكتبت مقالي الأول والشهير وقد كان تحت عنوان: (بعد أن تجاهلهم ولد عبد العزيز .. "لمعلمين" هل ينتفضون ضد الظلم؟) لقد كان ذلك المقال بمثابة الشرارة الأولى لما نشاهده اليوم من حراك مبارك تعددت ألوانه وراياته لكنه يصب جميعا في مصلحة هذه الشريحة ... ولقد كانت مفاجأتي كبيرة حين انهالت على بريدي الالكتروني الذي ذيلت به مقالي ذاك كمية كبيرة من رسائل الشكر والتقدير من مثقفين ومهنيين كلهم من أبناء وبنات هذه الشريحة وكأني قذفت بحجر ضخم في بحيرة راكدة.

 كيف لا يكون "للمعلم" الموريتاني ذكر في خمسينية الاستقلال الوطني؟ وهو الذي أحدث توازنا استراتيجيا لسلاح الغازي الفرنسي من خلال ابتكاره لنماذج من السلاح الفعال من قبيل: (بوفمين) و(الوروار) و(الفردي) و(الكشمي) وصنوف مؤثرة من البارود والذخيرة الحية استطاعت بفضلها المقاومة الوطنية إحداث إصابات مباشرة وموجعة في صفوف المستعمر الفرنسي. وهل كان لكبولاني أن يلقى حتفه صريعا على أديم هذه الأرض لولا عبقرية ذلك الصانع التقليدي الموريتاني الصبور الذي أبدعت أنامله ذلك السلاح وتلك الذخيرة؟ كيف لا نغضب وقد سلبنا نصرا نحن من صنعه .. وكيف نشطب من تاريخ بلد نحن من سطر أنصع صفحاته؟.

لقد شكل ذلك التجاهل الذي وقع فيه رئيس الجمهورية عن قصد أو عن غير قصد في ذكرى مجيدة لا تنسى أكبر خذلان لمكون عريق ومبدع وذكي انفرد دون غيره عن بقية الشرائح الأخرى بفضيلة الجمع بين تحصيل العلم بل والنبوغ فيه، وإتقان حرفة شريفة سبقه إليها أنبياء مرسلون .. إن هذه الشريحة لو قدر لها أنها كانت تنتمي لمجتمع غير المجتمع الموريتاني ودولة غير الدولة الموريتانية؛ لكان مكانها الصحيح ضمن طبقة النبلاء والأشراف ولرأيتم لرموزها نصبا تذكارية لا تحصى ولا تعد تتصدر أهم الميادين والساحات العامة.

 

مركز الصحراء: أين وصلت إجراءات تأسيس المبادرة؟ وهل من عراقيل واجهتكم؟

الأستاذ أحمد ولد السالم: المنظمة هي الآن في مراحل ترخيصها النهائية، وقد تحفظت وزارة الداخلية على بعض المواد والبنود والعبارات فتم حذفها وتعدليها لتتلاءم واشتراطات الوزارة وتم قبول التعديلات وننتظر الترخيص في أية لحظة.

 

مركز الصحراء: ما هي مطامح مؤسسي المبادرة في المستقبل القريب؟

الأستاذ أحمد ولد السالم: مطامحنا باختصار شديد تتلخص في تحقيق العدالة والإنصاف على كل الصُّعد، وإحداث ثورة حقيقية على العقليات البالية والخرافات المختلقة التي كبلت هذه الشريحة وهوت بها إلى قاع الهرم الاجتماعي ظلما وعدوانا.

 

مركز الصحراء: ما ملامح مشاركتكم في الانتخابات القادمة؟

الأستاذ أحمد ولد السالم: لقد نكأتم بهذا السؤال جرحا غائرا. هل تعلم أنه ومنذ الاستقلال وحتى تاريخ إجراء هذه المقابلة لم يكن هناك من أبناء هذه الشريحة سوى نائب واحد ووزير واحد هو الشيخ سيد أحمد ولد بابه وكان ذلك كله في حقبة ولد الطايع؟ الديمقراطية الموريتانية للأسف الشديد عملت على تكريس التراتبية الاجتماعية من خلال ترشيح الأحزاب الرئيسية لأبناء الأسر "الكبيرة" وأصحاب النفوذ والمتمولين من المال العام فحسب، أما "لمعلمين" ومن هم على شاكلتهم فلا مكان لهم في هذه اللعبة، والسبب غياب الإرادة السياسية للدولة وارتهان النخب لشيوخ القبائل وأصحاب رؤوس الأموال.

لقد أطلقنا مبادرة قبيل الانتخابات القادمة أسميناها "مبادرة معا من أجل مشاركة "لمعلمين"" وكتبنا رسائل إلى سبعة أحزاب رئيسية هي: الحرب الحاكم وحزب تواصل وحزب الوئام وحزب التحالف الشعبي وحزب الحراك الشبابي وحزبين آخرين لا أتذكر اسميهما، عرضنا على تلك الأحزاب إمكانية الانضمام إلى أحدها مقابل الحصول منه على مكاسب حزبية وانتخابية، لكن أيا من تلك الأحزاب لم يصلنا منها حتى هذه اللحظة أي رد سواء أكان ايجابيا أو سلبيا! باستثناء حزب الحراك الشبابي الذي انتهز هذه الفرصة لأقدم لرئيسته معالي وزيرة الثقافة السيد لاله بنت الشريف جزيل الشكر على سرعة تجاوبها مع كتابنا وعبارات الترحيب التي استقبلتنا بها، صحيح أن عرض حزبها الذي تقدم لنا به كان دون الطموح؛ لذلك لم يكن هناك أي اتفاق أو انضمام.

إن القراءة الأولية لخارطة الترشحات التي بدأت تظهر تباعا على الشبكة لا تبشر بخير، فهناك استبعاد متعمد وممنهج لهذا المكون من اللوائح الوطنية للأحزاب الرئيسية خاصة الحزب الحاكم الذي كانت هناك بعض الرهانات عليه. ونحن سنقيم خارطة الترشيحات للأحزاب الرئيسية، وربما سيكون هناك مؤتمر صحفي نفضح من خلاله ممارسات تلك الأحزاب، ونبين فيه أيضا الموفق النهائي من العملية برمتها.

 

مركز الصحراء: ما هو موقفكم من النظام الموريتاني الحالي؟ وهل أنتم أقرب إلى المعارضة أو الأغلبية؟

الأستاذ أحمد ولد السالم: موقفنا من النظام الحالي هو أنه نظام لا يختلف عن جميع الأنظمة السابقة التي عملت جاهدة على تغييب وتهميش هذه الشريحة، مع أن ولد عبد العزيز رفع شعارا براقا دغدغ مشاعر الفقراء والمستضعفين من أمثالنا، فقد أطلق على نفسه قبيل الانتخابات الرئاسية السابقة لقب رئيس الفقراء والمستضعفين؛ ما جعلنا نعلق عليه آمالا كبيرة بإحداث نقلة تاريخية لهذا المكون من شعبنا الذي عانى كثيرا، لكننا لم نلمس حتى الآن أي فرق بينه وبين الأنظمة البائدة، فلم يعين لحد الساعة أي عنصر من هذه الشريحة في إحدى الوظائف السامية، فمثلا : ليس هناك وزير واحد في الحكومة من "لمعلمين" وكذلك ليس هناك سفير واحد ضمن مئات السفراء والقناصلة الذين تم تعيينهم، ولا أمين عام واحد أو مستشار واحد برئاسة الجمهورية أو الوزارة الأولى .. ولا والي ولاية واحدة والقائمة الصفرية تطول وتطول ... رغم كثرة أصحاب الشهادات والكفاءات ممن يكون مصيرهم بعد التخرج الإقصاء والتهميش، في حين يحظى أقرانهم ومن هم أقل منهم تحصيلا علميا بالوظائف الهامة في الدولة، وكأننا نحن مواطنون من الدرجة العاشرة.

هل تعلم أن الذين تخرجوا معنا من الجامعة عام 1994 من غير شريحة "لمعلمين" هم الآن وزراء وموظفون سامون في الدولة؛ من أمثال: (المدير ولد بونا ورئيس مفوضية الأمن الغذائي الحالي والأخت الفاضلة البطريقه التي عينت وزيرة في زمن ولد الطايع وفاطمة بنت مشيل وغيرهم كثير) وأن الذين تخرجوا معي من نفس الدفعة من "لمعلمين" هم الآن ما بين من يعمل خياطا في السوق، أو من اضطر للسفر إلى دول إفريقية طلبا للرزق بعد أن استبد بهم اليأس وخاب ظنهم في وجود عدالة تنصفهم. إن لم نسم هذا بالإقصاء والتهميش فماذا نسميه؟

وبالنسبة للشق الثاني من سؤالكم؛ فأنا شخصيا لم أنضم حتى هذه اللحظة إلى أي حزب سياسي موريتاني على الإطلاق، وعليه فإني أقف على مسافة واحدة من المعارضة والأغلبية لأننا -حقيقة- لم نلمس أي فرق بين الفريقين فيما يخص مسألة إقصاء وتهميش شريحة "لمعلمين" لذلك كان عنوان مقالي السابق موجها للطرفين على حد سواء وقد كان تحت عنوان: (رسائل "لمعلمين" العاجلة جدا .. إلى المعارضة والنظام) لذلك لا أجدني أقرب إلى الموالاة مني إلى المعارضة والعكس صحيح حتى يظهر أحد الطرفين بالأفعال انحيازه لقضية "لمعلمين" العادلة.

 

مركز الصحراء: هل من مآخذ على تعاطي الأنظمة الموريتانية المتعاقبة مع فئة "لمعلمين"؟

الأستاذ أحمد ولد السالم: لقد اختلفت الأنظمة المتعاقبة على كل شيء تقريبا، واتفقت جميعها على مسألة واحدة؛ هي الإمعان في تهميش وإقصاء أبناء هذه الشريحة والتعامل معها باحتقار ودونية لا مثيل لها، وأذكركم وقراءكم الكرام مرة أخرى أنه ومنذ الاستقلال لم يتسلم حقيبة وزير من هذه الشريحة إلا شخص واحد هو الشيخ سيد أحمد ولد بابه الذي كان أيضا الوحيد الذي دخل البرلمان منذ مجلس الشعب وحتى اليوم ، والسبب في نظري يكمن في حرص هذه الأنظمة المتعاقبة وأذرعها من بعض رجالات الدين وبعض المثقفين على الحفاظ على تراتبية المجتمع الموريتاني القديم كما هي؛ بحيث يظل هناك أشراف يستحقون كل شيء وأجلاف لا يستحقون أي شيء!.

 

مركز الصحراء: ما هي آلياتكم لتوعية أنباء الفئة؟ وخصوصا المنخرطين في ورشات الصناعة بمختلف مناطق البلاد؟

الأستاذ أحمد ولد السالم: أنا شخصيا كان رهاني كبيرا في السابق على ما يسمى بالحراك الاجتماعي، وقدرة هذا الأخير على إذابة تلك الفوارق الشكلية التي لا وجود لها في منطق العقل أو من الناحية البيولوجية أو السوسيولوجية، وإنما هي مجرد أوهام و"فيتوهات" صنعها المخيال الشعبي في مرحلة من مراحل الضعف والجهل والتخلف، وكنت أحسب أن مصير تلك الأوهام إلى زوال؛ بحيث تذوب الفوارق الشكلية بين قومية البيظان، ويحدث الانصهار التام بين أفراد هذه القومية التي تجمعها كل مقومات الانصهار كالعرق واللغة واللهجة الحسانية والعادات والتقاليد والدين والعيش المشترك ... بدل اعتماد تقسيم الناس أو فرزهم على أساس الحرفة أو التخصص الذي زالت ضروراته الموضوعية منذ عقود من الزمن، لكن ذلك الرهان اصطدم بصخرة غياب الإرادة الحقيقية لدى صانع القرار والسلطة الدينية والنخب، بل على العكس من ذلك هناك ممارسات قامت بها الدولة وأجهزتها كان الهدف منها تدعيم تلك الفوارق و"الفيتوهات" وإطالة أمدها، ومن ثم كان لزاما علينا أن نكون واقعيين؛ بحيث نقرأ الواقع الماثل أمامنا قراءة تتسم بالجدية والواقعية، وأن نضع جانبا ما كنا نعتبره منذ سنوات قليلة حلما ورديا جميلا بعد أن أثبتت الأيام أنه مجرد وهم ومحض خيال.

لذلك وإجابة على سؤالكم نحن نعمل وبكل جهد على توعية أبناء هذه الشريحة بحقوقها، ونقدم لها الصورة الصحيحة والناصعة عن إسهاماتها العظيمة، وأن العمل شرف، وأن من يمتهن مهنة كان يمارسها الأنبياء صلوات الله عليهم لا يمكن أن يلصق به عار، وأن الصناعة التقليدية تحديدا هي في حد ذاتها تعتبر عملا فنيا رائعا، وتشكل رافدا ثقافيا مهما وعملا نبيلا في حد ذاته.

 

مركز الصحراء: هل من ملاحظات على رؤية المجتمع الموريتاني للفئة المعروفة بمصطلح "لمعلمين"؟

الأستاذ أحمد ولد السالم: هناك مفارقة عجيبة لطالما حيرتني كثيرا؛ وهي أن "لمعلمين" وبشهادة الجميع كانوا يصنعون للمجتمع كل شيء ينفعه في حياته وفي حله وترحاله؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس انفعهم للناس). وبالإضافة إلى ذلك فهم مسلمون ومسالمون بشهادة الجميع أيضا. والنبي صلى الله عليه وسلم عرف المسلم بقوله: (المسلم: من سلم المسلمون من لسانه ويده). لكن وفي المقابل كان الطرف الآخر والذي يدعي الخيرية المطلقة لا ينتج سوى الخرافات والمزاعم التي تسيء إلى هؤلاء، وتنعتهم بأسوأ النعوت دون رحمة أو مراعاة للجانب الديني والإنساني ... هذا ما يحيرني كثيرا؛ فما هو معيار الخير والشر عند مجتمع البيظان؟

لقد كانت قريش على جاهليتها أكثر نبلا وإنسانية من مجتمعنا المسلم للأسف الشديد؛ فقد تداعت إلى ما عرف في الجاهلية وقبل الإسلام ب"حلف الفضول" وكان الهدف منه نصرة المظلوم والذود عنه والضرب بيد من حديد على يد الظالم مهما كان، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمته المشهورة : «لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» ومن المؤسف حقا أن المجتمع الموريتاني المسلم والمشهور بكثرة علمائه ومحاضره ومخطوطاته ومؤلفاته يقابل إحسان هذه الشريحة وإبداعاتها بهذا الكم من الصور النمطية المسيئة، ضاربا عرض الحائط بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف الذي جاء لغرض حفظ الضرورات الخمسة: (الدين النفس العقل العرض والمال). وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) وقوله صلى الله عليه وسلم: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم!!). فماذا بعد الحق إلا الضلال.

 

مركز الصحراء: ما مستوى تجاوب أبناء الفئة مع حراككم الأخير؟ وهل من تحفظ من طرف البعض؟

الأستاذ أحمد ولد السالم: هناك تجاوب كبير ليس فقط من قبل النخب والطبقة المتعلمة، وإنما أيضا من قبل أناس عاديين يعيشون في القرى والأرياف؛ ما يعنى أن الجميع يتألم حقيقة للحالة المزرية التي وصلت إليها هذه الشريحة التي استهدفت ظلما وجورا في عرضها وكرامتها وشرفها دون أن تكون قد ارتكبت أي جرم أو ذنب، ثم جاءت الدولة لتكرس ذلك الواقع بالممارسة الممنهجة للأسف الشديد.

أما عن التحفظات فلم أبلغ عن أي تحفظ من أحد، بل على العكس من ذلك؛ فالكل أعرب عن دعمه ومساندته لهذا الحراك السلمي المبارك، والهادف إلى الدفاع عن العرض والكرامة، علما بأننا نتبع في سبيل تحقيق تلك الأهداف النبيلة نهجا سلميا راقيا لا يتصادم مع أحد ولا يرد على الإساءة بمثلها، مع أن لصاحب الحق مقال، وقد قال تعالى في محكم كتابه: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم. وكان الله سميعا عليما). وأي ظلم أفدح من الظلم الذي لحق بهذه الشريحة الكريمة جدا والمبدعة إلى حد الجنون والصابرة صبر أيوب عليه السلام؟ 

لمعلمين.. والواقع المرير / محمد فال ولد بومبيرد

alt

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

إن المتتبع لشأن هذه الفئة العاملة من التركيبة الاجتماعية في المجتمع الموريتاني والبيظاني بوجه الخصوص والمسماة ( بالصناع أو لمعلمين أو لمشاغيل) حسب المناطق الجغرافية في هذا البلد، فإنه لا محالة مصطدم بواقع قلما تجد له مثيل في تاريخ المجتمعات الحديثة من حيث الواقع المعاش ومن حيث المعاملة التي تعامل بها هذه الشريحة والنظرة الازدرائية التحتية التي ينظرهم بها كافة مكونات المجتمع بلا استثناء ناهيك عن الظلم القائم والتمييز العرقي الغير مبرر.

إنه وبكل بساطة واقع غريب لا مثل له ولا تستحقه هذه الفئة من مجتمع بدلت الغالي والنفيس خدمة لديمومته ولاستمراريته في ظروف صحراوية غاية في القساوة. حيث أخذت على عاتقها مسؤولية الإنتاج والتصنيع وتوفير حاجيات ومتطلبات المجتمع التي لا يمكن العيش من دونها، غير مدركة ما يترتب عن ذلك الدور من مذلة واحتقار وازدراء من طرف المجتمع ، فالمجتمعات تقدر شرائحها بقدر عطائها والصناع في جميع المجتمعات محترمون احتراما يليق بدورهم الثقافي والحضاري والتاريخي ويقدرون بوصفهم خدموا مجتمعاتهم في مختلف فتراتهم التاريخية وبالتالي يكونوا جزءا من تراث وتاريخ وحضارة مجتمعاتهم.

فالصانع الموريتاني بالمفهوم الطبقي يعيش في مجتمعه المنتمي إليه عرقيا وثقافيا ودينيا وتاريخيا وهو في وضعية اجتماعية وسياسية ومهنية مهينة وغير لائقة.

فعلى المستوى الاجتماعي، يعيش في وضعية غير مقبولة وينظر إليه وكأنه غريب أو دخيل على هذا المجتمع، ومرمي في مؤخرة الهرم الاجتماعي ومنسي دوره الفعال الذي كان يلعبه في الفترات التاريخية وعلى المستوى السياسي فهو في وضعية مزرية لا تليق به ولا بدوره السياسي وتاريخه الطويل الذي كرسه خدمة لهذا المجتمع، ولا حتى في كمه الديمغرافي الكبير فهو اليوم مقصي إقصاء شاملا من الناحية السياسية لهذا البلد فهو مقصي إقصاء شبه متعمد ولا يحق له التخندق في المناصب القيادية من التكتلات السياسية الكبيرة.

مما جعله غير موجود تحت قبة برلمان دولة المساواة والحقوق، ومقصي من الحكومات المتلاحقة والإدارات العامة ، فهو بكلمة واحدة معزول سياسيا في هذا البلد المنتمي إليه عرقيا واجتماعيا.

أما على المستوى المهني فحدث ولا حرج، فالشغل الشاغل للصانع اليوم هو البحث عن مصدر رزق آخر غير الصناعة التقليدية والسبب راجع إلى أن هذه المهنة لم تعد مريحة ولا مربحة لفوضوية تنظيماتها ولضبابية سياسة الدولة اتجاهها وسوء إدارتها التي لا علاقة لها بها لا مهنيا ولا اجتماعيا ناهيك عن المكانة الاجتماعية المترتبة عن ممارستها.

فالصانع في المجتمع الموريتاني كان و ما يزال ضحية مؤامرات حيكت ضده بعناية فائقة من أجل رميه في مؤخرة الهرم الاجتماعي حيث لا يملك أبسط مقومات الكرامة الإنسانية ولا حتى حقوق الإنسان العادي، ويبقي السؤال المطروح هل كان للصانع الموريتاني دورفيما آلت إليه ظروفه الاجتماعية والسياسية والمهنية أم أن المجتمع هو من فرض عليه هذه الوضعية وطبعه بها وانتهى الأمر !

إن الإجابة على هذا السؤال المهم تتطلب منا الإجابة على أسئلة أكثر إلحاحا حتى يتمكن القارئ من معرفة كل الملابسات المتعلقة بهذه الشريحة الاجتماعية، ونذكر من الأسئلة أسئلة نجد أنفسنا ملزمين بالإجابة عنها في هذا البحث المتواضع أو التطرق لها ومعالجتها بطريقة موضوعية والأسئلة هي:

- من هم لمعلمين:

- من أين جاؤوا؟

- ما هي وضعيتهم الاجتماعية في هذا المجتمع؟

أسئلة من بين أخرى سنحاول التطرق إليها في هذا البحث راجين التعامل معها بموضوعية.

لكننا لا ننكر أننا مصطدمون بصخرة ندرة المراجع المتحدثة في هذا الصدد إذ قلما تجد بحثا أو دراسة عن موضوع الصناع، وذلك راجع إلى أن الكتاب الموريتانيين لا يولون اهتماما بهذا النوع من المواضيع بوصفه من وجهة نظرهم مضيعة للوقت ولا فائدة للتطرق له ، وعلى كل حال فإننا سنحاول إعطاء القارئ كلما استطعنا الحصول عليه من معلومات راجين منه العذر فالموضوع متشعب والمصادر معدومة.

كما أننا ننتهز هذه الفرصة لنوجه نداء إلى الطبقة المثقفة من هذه الفئة في المجتمع وأصحاب الأقلام أن يكتبوا عن هذه الشريحة تاريخها الثقافي والمهني وأن لا يتحروا من يكتب بدلا عنهم.

فكل فئة أو شريحة من أي مجتمع تكتب عن تاريخها ومعالمها ومآثرها وحتى بطولاتها وخوارقها ودورها في المجتمع التي تنتمي إليه حتى تظهر لغيرها ما ترى أنه ضروري إظهاره، وأنتم يا معشر الصناع أحق من غيركم بالكتابة عن تاريخكم ودوركم في هذا المجتمع.



من هم الصناع؟

الصناعة تعني تحويل الشيء غير المفيد إلى الشيء المفيد ، بمعني إنتاج منتوج يساعد في الحياة البشرية، وهذا التحويل يتطلب يدًا تقوم بعملية التحويل (التصنيع)، ومادة أولية ، وهذه اليد المصنعة هي يد الصانع التقليدي.

إذن الصانع هو ذلك الشخص الذي يقوم بعملية التحويل أي (التصنيع) والصنعة (الصناعة) أيا كان نوعها في المجتمعات القديمة لا يمتهنها إلا أصحاب الشأن وأصحاب الذكاء والفطنة والتركيز. وفي المجتمعات الحديثة لا يمتهنها غير المتفوقين في الدراسات العلمية المعقدة كالرياضيات والفيزياء والكيمياء ..الخ.

وهذا يعني أن الصناعة في أي مجتمع لا تمتهن إلا من طرف من لديهم الكفاءة اللازمة لذلك، حتى أنها أصبحت في أكثر المجتمعات العربية ملصقة بالثراء والمكانة الاجتماعية المرموقة، وهذا راجع إلى ذلك الدور المحوري للصانع التقليدي، فالصانع محترم لأنه يخدم مجتمعه بمجهوده الفكري والعقلي وبعضلاته حتى يوفر له كل متطلباته اليومية الضرورية، لهذا أصبح إلصاقها بالشخص نوعا من التبجيل والتقدير له من طرف باقي المجتمع ( يا معلمي ، يا ما امعلم)، أما في مجتمعنا فالوضعية معكوسة رأسا على عقب والأمر راجع حسب رأيي إلى أن هذا المجتمع يكره بل يمقت ممارسة المهن التي تتطلب مجهودا عضليا باعتبارها أعمالا لا يمارسها إلا المغلوبون على أمرهم أو ضعفاء لا حيلة لهم، وبالتالي يكون الممارس لهذا النوع من المهن يعتبر شخصا ممقوتا أو غير مرغوب فيه ، وهذه الظاهرة لم تكن موجودة في المجتمعات العربية ولا البربرية التي ينتمي الصانع إليها عرقيا إنما تجسدت وتوطدت نتيجة لذلك الاحتكاك الحضاري الذي شهدته منطقتنا من الزنوج الأفارقة الذين كانوا ومازالوا من أشد الممارسين للتمييز العرقي ضد شرائحهم الاجتماعية الضعيفة، إذ بلغ بهم الأمر إلى أنهم لا يجلسون معهم على فراش واحد، ولا يأكلون معهم في إناء واحد، ولا يدفنون مع موتاهم في مقابرهم ، بل يدفنون في مقابر خاصة بهم، حتى إنهم شأموهم وذهبوا بهم إلى أبعد من ذلك ، الشيء الذي تأثر به مجتمعنا البيظاني ، وجسده على أرض الواقع ودافع عنه باستماتة باعتباره من أهم العوامل المساعدة في علو المكانة الاجتماعية.

فعلوة المكانة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق أو تتبلور إلا إذا كانت هنالك شرائح من المجتمع أخرى مصنفة على أنها الأقل شأنا من غيرها وموضوعة في مكانة اجتماعية متأخرة حتى تكتمل صورة المجتمع الطبقي، وهذا من وجهة النظر الموضوعية والإنسانية تجن وظلم لا مبرر له على الإطلاق، ومسؤولية تاريخية يتحملها المدافعون عن هذا التمييز والمكرسون له والساكتون عليه خاصة انه يستهدف شرائح كرست حياتها المهنية خدمة لهذا المجتمع، وهذا ما قد يفسر تلك الهجرات المتتالية عن تلك المهن من طرف أسر كثيرة من الصناع والتوجه إلى تخصصات أخرى أكثر قبولا وأكثر احتراما لدى المجتمع حيث أنك تجد أن بعض أسر الصناع الممارسين لهذه المهنة أدركوا ، وفي البداية إن هذه المهنة الممارسة من طرفهم قد جلبت لهم العار والاحتقار وقرروا التخلي عنها، واستبدلوها بمهام أكثر قبولا لدى المجتمع، ونجحوا في ذلك وهم الآن قبائل من التركيبة الاجتماعية يتمتعون بكل صلاحيات المجتمع ، ولا يوجد فرق بينهم وباقي المجتمع، والأمثلة كثيرة على ذلك.

المسألة معقدة وصعبة وتتطلب التضحيات ولكنها الخيار الوحيد للاندماج مع المكونات الأخرى للمجتمع، فالمجتمع يرفض التزاوج من هذا النوع من الشرائح الممارسين لهذا النوع من المهن والتخلي عن هذا النوع من المهن يعني التخلي عن هذه الشريحة وبالتالي تلاشيها تدريجيا وإلى الأبد.

ومع مرور الزمن الذي قد يطول سيحدث الاندماج النهائي وتنتهي الفوارق الاجتماعية، خاصة أن الأرضية صالحة فالمجتمع في تطور دائم والعادات والتقاليد الماضية بادئة في الانحسار والاندثار ناهيك عن أن العولمة اليوم لم تعد تقبل هذا النوع من الممارسات القديمة، بل تجرمه في الكثير من الأحيان.

من أين جاءوا؟



إن الرد على هذا السؤال يتطلب منا الرجوع إلى معرفة الأصول البيظانية ، ومن أين جاءوا وهذه المسألة معروفة سلفا.

فهذه الشريحة الاجتماعية من المجتمع الموريتاني تحمل نفس الخصائص والأصول والعادات والتقاليد للمجتمع البيظاني فهي جزء لا يتجزأ من التركيبة الاجتماعية لهذا المجتمع ، ولم تأت من خارجه ، ولا توجد لها أصول غيرالأصول المعروفة للمجتمع البيظاني ، لكن المجتمع طبعهم بمهنتهم بغض النظر عن أصولهم ، وأصولهم كما أشرنا مختلفة اختلاف أصول القبائل الموريتانية ، فمنهم من ينتمي إلى القبائل العربية المعروفة (قبائل بني حسان) ومنهم من ينتمي إلى القبائل البربرية (صنهاجة ، لمتونة، ومسومة وغيرهم)، ومنهم من له أصول زنجية ، ومنهم الشرفاء.

وحتى أنه بإمكانك أن تميز وبكل بساطة أصول هذه الشريحة الاجتماعية عن طريق عملها ومنتوجاتها التي تصنعها ، حيث نجد صناعا يمارسون صناعة لها طابع قتالي كالأسلحة مثلا، والبنادق، والسهام والرماح، والسروج، والخناجر ، وهذا ما يعني أن هذا النوع من الصناع في الغالب ينتمي عرقيا إلى القبائل العربية المعروفة باعتبارها القبائل الحاملة للسلاح.

كما نجد صناعا آخرين يوفرون منتوجات أخرى غير المنتوجات القتالية تعكس انتماءهم العرقي البربري الأصلي كالحلي والمجوهرات وآلات وأدوات الخيمة الموريتانية المعروفة ويبدعون فيها أيما إبداع.

وهذا يعني أن شريحة الصناع جزء لا يتجزأ من هذا النسيج الاجتماعي والطابع الوحيد الذي يربطها هو طابع المهنة وخصوصية العمل اليدوي الذي تخصصت فيه خدمة لبقاء هذا المجتمع المنتمية إليه عرقيا ودينيا وثقافيا، وهذا يدخل من باب تقسيم المهام في المجتمع كل حسب تخصصه وقدرته على إتقان المهام المناطة به.

ولكن إذا كان الأمر هكذا بمعني أنه إذا كان الصناع الموريتانيون يحملون نفس الأصول البيظانية ونفس العادات والتقاليد فلما هذا التمييز في حقهم ولماذا هذا الاحتقار وما هي الجرائم التي ارتكبوها حتى ينظر إليهم بهذه النظرة الإزدرائية.

وإذا كان امتهانهم لهذه الصنعة التقليدية لعنة عليهم فلماذا لا يتركونها ويمارسون مهام أكثر قبولا عند المجتمع؟ وأكثر مردودية عليهم ويتركون هذه الخدمة شبه المجانية التي لم تجلب لهم إلا العار والاحتقار؟

إن الجواب على هذه التساؤلات يتطلب الرجوع إلى تاريخ مجتمعنا وعاداته وتقاليده الاجتماعية والطريقة التي ينظر بها إلى الممارسين لمجمل الأعمال اليدوية والتي تتطلب مجهودا عضليا، كما أشرنا في مقدمة هذا البحث، فالصانع لم يرتكب جريمة أكبر من ممارسته لهذا العمل فلو لم يمارس هذا العمل الذي لم يرغم عليه أصلا لما كان على هذا الحال من الاحتقار والإزدراء، ولكان كباقي المجتمع يتمتع بنفس الحقوق ونفس الامتيازات التي يتمتع بها باقي المجتمع.



ولعله من الغرابة أن الشخص الذي يمتهن هذه المهنة بقناعته الشخصية يغصب عليه من طرف القبيلة ويشطب على اسمه من سجلات القبيلة ويدرج اسمه في لائحة المملوكين ، وهذا ما يفسر تلك الهجرات الممتالية لبعض أسر الصناع من قبائلهم الأصلية إلى قبائل أخرى طلبا للتقدير والاحترام، والأمثلة كثيرة على ذلك، فالمتتبع لشأن الصناع وتاريخهم يدرك أن نسبة 85% منهم تقطن أو تسكن مع قبائل غير قبائلها الأصلية، كما أنك تجد من القبائل الموريتانية ما كانت الهجرة إليه كبيرة ، وذلك راجع إلى أن تقديرهم للصناع في تلك الفترات كان تقديرا جيدا والعكس صحيح، فقد نجد قبائل لا توجد فيها أسر الصناع وإذا وجدت فتوجد منهم نسبة ضئيلة أو أسرة واحدة، والأمر راجع حسب رأينا إلى طبيعة المعاملة التي يتحلي بها الصناع من قبيلة لأخرى.

أما ما يتعلق بتركهم لهذه المهمة والتي لعنتهم اجتماعيا فتركهم لها لا يعني بالضرورة انتقالهم من وضعية اجتماعية إلى أخرى وبشكل سريع، فالطابع الاجتماعي لا يغيره إلا المستوى الفكري للشعوب والمجتمعات والتطور الثقافي والمستوى المعيشي والتاريخ الطويل.

ناهيك عن أن هذه المهمة الممارسة من طرفهم كانت ومازالت مدرة للدخل ، كما أنها أصبحت جزء من حياتهم اليومية الروتينية ومتوارثة لديهم، وبالتالي يكون التخلص منها مسألة صعبة.

لكنه من الملاحظ أنها بدأت تتلاشى في صفوف الشباب المتعلم، بدأوا يمتنعون عن ممارستها لما تحمله من مذمة لدى أوساط المجتمع.



وضعيتهم الاجتماعية:



إذا ما نظرنا إلى شريحة الصناع اليوم في المجتمع البيظاني وما تعانيه من تمييز واحتقار وازدراء بهم دون استثناء سواء منهم المتعلم والعالم والفقيه والمثقف والجاهل والقوي والضعيف كلهم بلا استثناء.

وإذا ما نظرنا إلى هذه اللعنة التي أحلت بهم فإننا نلاحظ أن الشريحة الاجتماعية الممارسة لمهنة الصناعة التقليدية أصبحت في نظر الجميع ملكا لهذه القبلية أو تلك (أمعلمينَ)، والأخطر من هذا أن بعض الصناع أنفسهم أصبحوا مقتنعين أنهم فعلا ملك لهذه القبيلة أو تلك هبة من الله.

وهذا ما يفسر ذلك العجز والإحباط لأفراد هذه الشريحة التي كانت وما زالت تسعى بكل ما لديها من كفاءات ومتطلبات من فكر ومهارات أن تكون هي الموفر الوحيد لكل حاجيات ومتطلبات المجتمع، التي كان في أمس الحاجة إليها، في ظروف صحراوية غاية في القساوة.

لكنه من غير المفهوم من مجتمع يفترض أن يحترم الآخر ويقدر إنجازاته إلصاقه بالممارس لهذه المهمة الشريفة كلها هو سيئ ومشين ومذمة كالكذب والجبن والهلع والطمع والجشع وغيره كثير. المهام المشينة (التقواد) والغلط وحب الطعام (السلعة) إلخ...

وهذا لا يمكن أن يكون عفويا ولا اعتباطيا، إنما له دوافع كثيرة منها على وجهة الخصوص مثلا أن هذه الشريحة أجتمعت فيها بعض الخصائص التي يراها بعض المنتبهين والمتعلمين من المجتمع أنها خصائص خطيرة جدا، من هذه الخصائص مثلا: الذكاء الخارق وسرعة البديهة وهذا يعني أن من اجتمعت فيه هذه الخصائص يكون مؤهلا للاتجاه إلى تخصصات أخرى أو معارف أخرى كانت وما زالت في نظر الكثيرين تخصصات شرائح أخرى من المجتمع ومحتكرة لها، وبالتالي يكون من الخطر على هؤلاء توجه هذه الشريحة إلى هذه المعارف لأنها وبكل بساطة قد تسبق الجميع لما تتمتع به من ذكاء خارق وسرعة للبديهة، وقدرة على الاستيعاب والفهم.

هذا بالإضافة إلى أن القائمين على هذه المعارف تقليديا والمحتكرين لها لن يقبلوا أبدا أن ينافسوا من طرف شريحة اجتماعية أكثر منهم قدرة على الفهم والاستيعاب.

وهذا قد يكون أحد الأسباب التي جعلت هذه الشرائح الاجتماعية الممارسة تقليديا لهذا النوع من المهن والتخصصات تقف أمام شريحة الصناع وتعلن عليها حربا إعلامية لا مثيل لها في تاريخ مجتمعاتنا على الإطلاق.

وبدأت هذه الحرب الغير معلنة ظاهريا بإلصاق اللعنات عليهم لتشويه صورتهم لدى المجتمع حتى يقتنع الجميع بأن هؤلاء القوم وذكاءهم الخارق وعلمهم يجب أن يكون محصورا في تخصصهم (الصناعة التقليدية) فقط.

أما التخصصات الأخرى العلمية والفكرية والدينية وحتى الأمنية فهي من تخصص أناس آخرين والممارس له من غيرهم لا يؤخذ منه ولا يقبل وهذا يدخل في مجال الاحتكار المعرفي الذي كان سائدا في مجتمعنا.

هذا ولم نعثر على وثيقة واحدة ولا رواية ولا تحفة فنية تفيد أن هذه الشريحة الممارسة لهذا العمل اليدوي خرجت عن دينها يوما من الأيام حتى تلصق بها هذه المذام ، كما أنها لم تدخل حربا مع هذا المجتمع حتى يعاديها بهذه الطريقة ، وحسب علمنا لم تمارس هذه الشريحة الاجتماعية في هذا البلد أعمالا مشينة ولا مقررة جريمتها الوحيدة هي تلك الملكة التي أوهبها لها رب العباد مما خولتها أن تكون مؤهلة أكثر من غيرها للتنافس وكسر جدار الاحتقار المعرفي.

وهذا ما يفسر تسلط البعض عليهم وطبعهم بخصائص يرفضها المجتمع، وهذا إجراء وقائي أكثر منه دفاعي.

ومن الأمثلة على ذلك أنهم في فترة من الفترات نعتوهم باليهودية حيث قالوا إن أصولهم يهودية باعتبار أن هذه الصنعة كثيرة الممارسة من طرف اليهود، حتى يبتعد منهم المجتمع أكثر بوصفه إسلاميا يدرك ما قيل عن اليهود في القرآن الكريم.

كما نعتوهم بالفرعونية، حيث قالوا إن جدهم الكبير هو فرعون ذو الأوتاد وهذا ما يفسر ما أشرنا إليه بأن شغلهم الشاغل هو سحقهم اجتماعيا حتى لا يكونوا قدوة تحظى باحترام الجميع، كما ذهبوا إلى القول إن المشرك الذي كسر رباعية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو جدهم الكبيرالذي إن حدروا منه حتى يبتعد منهم المجتمع أكثر ويحتقرهم أكثر، بل ويرفضهم، وقد تكون قصة أحد الأمراء مع أحد رجالات الصناع شاهدا على هذه الحملة من طرف المجتمع على هؤلاء الصناع.

والقصة هي أن: أحد الأمراء كان يصلي بصانع تقليدي مشهور بالعلم والمعرفة لديه محظرة كبيرة يرتادها طلبة العلم ويحظى باحترام الجميع.

وفي يوم من الأيام جاء رجلان ولاحظا أن هذا الصانع يحظى باحترام الأمير وتقديره.

وبدآ يفكران في طريقة يقنعان بها الأمير بأن هذا الشخص لا يستحق أن يحظى بهذه المكانة الاجتماعية المرموقة، بل يجب إستبداله بمن يستحق هذه المكانة أكثر منه.

ومن هنا بدآ بكتابة أبيات من الشعر على ورقة قديمة وألصقوها بكتاب حتى أصبحت وكأنها جزء منه، وجاءا إلى الأمير وتبادلا معه أطراف الحديث، فسأل أحدهم، السيد الأمير: من هو إمامكم هذا ومن أي قوم هو؟

قال الأمير هذا صانع تقليدي منا اشتهر بالعلم والمعرفة والصدق فنصبناه إماما وقاضيا فينا، فقالا له لكن (لا خير في الحداد ولو كان عالما).

فقال هذه مقولة مشهورة لكننا لم نجد لها سندا، فقالا السيد الأمير إن إمامكم هذا لا يختلف اثنان على علمه وورعه إنما مشكلته الوحيدة أن المصلي به يجب عليه أن يعيد صلاته على الفور، فقال الأمير لماذا يعيد صلاته؟ فقال إن المنحدر من هذه الفئة من المجتمع لا يصلى به ولا تقبل منه شهادة ويجب عليه حج البيت الحرام يوميا لأنه مشهور بالكذب والنفاق وأصوله يهودية، ولدينا دليل في كتابنا هذا يؤكد لكم هذا يا سيادة الأمير وقرآ عليه الأبيات المكتوبة في ورقتهم الملفوفة سلفا في الكتاب والتي هي:



شهادة القين ترد أبدا
لأنه مشهور بالكذب






والمصلي به يعيد سرمدا
وأصله يهودي في النسب



فتعجب الأمير من هذا وعزل الصانع بل وطرده من حيه .

وهذا قد لا يكون غريبا فالأمراء في فتراتهم التاريخية يقبلون بكل ما قدم لهم من غير اختصاصهم ويعملون به.

وهذه القصة مشهورة ومعروفة لدى الكثير من الباحثين، ونحن نعرف أصحابها بالأسماء لكننا لسنا في وارد ذكرهم تفاديا للإحراج، لكننا سردناها هنا من أجل التأكيد للقارئ أن ما يعاني منه الصناع لم يكن اعتباطيا ولا عفويا، إنما جاء نتيجة مخططات ومكائد حيكت بحكمة وذكاء وتم إقناع المجتمع بها حتى ترسخت وتوطدت وانتهى الأمر.

كما أنها تفسر أيضا نظرة المجتمع لهؤلاء القوم المتمثلة أساسا في محاصرتهم في محيط تخصصهم المنبوذ أصلا في المجتمع وهو (الصناعة).

وبعد ذلك يتم إقناعهم بالمكانة الاجتماعية المترتبة عن ذلك وهي مؤخرة الهرم الاجتماعي بامتياز، وعدم التفكير بالخروج منها طلبا لتخصص آخر أو مكانة اجتماعية أخرى وكأن الأمر قدر.

وحتى تترسخ هذه الوضعية وتتوطد في المجتمع كرس المجتمع وقته لتربية أجياله على هذا النمط، وذلك عن طريق نسج كم هائل من القصص الفكاهية عن الصناع موجه أساسا لأطفالهم حتى يتربوا على أن هذه الفئة من المجتمع ليسوا محل ثقة واحترام ولا يستحقون التقدير وليسوا كباقي الفئات الأخرى من المجتمع ولا يتمتعون بأبسط الصلاحيات وأنهم وبكل بساطة أشخاص غير مرغوب فيهم ومنبوذون ومحتقرون وعاجزون.

والقصص المنسوجة هي عبارة عن مميزات تم إلصاقها بهم كالكذب- والهلع- (وحب الطعام)- الجبن (عدم الشجاعة)، حب الأكل (السلعة) أو ما يسمى "الهرد" كما يقال.

كل هذه المميزات المرفوضة من طرف المجتمع تمت صياغة القصص عليها باعتبارها من خصائص الصانع حتى يترسخ في الأجيال الابتعاد عن هؤلاء القوم وعدم الاندماج معهم في شتى مجالات الحياة، المهم منهم أنهم يوفرون للمجتمع جل المتطلبات اليومية فقط، أما الالتصاق بهم فهو محرم والقائم به يعاقب في الدنيا وفي الآخرة.

ومن الأمثلة على ذلك قولهم بأن المتزوج بهم يأتي يوم القيامة وأصبعه في دبره حتى يبتعد منهم المجتمع أكثر، أما في الدنيا فسيظل معزولا من طرف مجتمعه ويعير بزواجه منهم ويعير أبناؤه من بعده منهم ولا يقبلون مستقبلا في مجتمعهم وقبائلهم، والغريب في الأمر أن هذا التصرف اللاأخلاقي واللامقبول لا دينا ولا مروءة كان وما يزال مباركا من طرف المؤسسة الدينية أو مسكوتا عنه على الأقل.

فلم نجد فيما اطلعنا عليه من وثائق فتوى تشير إلى أن هذه الممارسات غير الشرعية بحق فئة من المجتمع مسلمين مسالمين يعملون ويعيشون بعرق جبينهم أنها ممارسات حرام ولا تجوز شرعا ومنافية لتقاليدنا الدينية السمحة ومتعارضة مع ما جاء في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه الكريم من تراحم واحترام ومساواة.

حيث قال جل من قائل:

بسم الله الرحمن الرحيم {إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}وفي الحديث الشريف "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".

بل تركوا العنان للمجتمع ليصب جام غضبه على هؤلاء القوم بتلفيق القصص تارة وتشويه الحقائق تارة أخرى لا لشيء سوى سحق وعزل فئة من المجتمع واللعب واللهو والضحك مع محيطه وعائلته وأولاده وهذا في الحقيقة التجن وظلم لا مثيل له على الإطلاق.

ومن الغريب أن هذه الشريحة الاجتماعية أصبحت مباحة للمجتمع بلا استثناء فأضعف خلق الله وأرذله يقف أمام المجتمع ويذم الصناع ويصفهم بصفات يعجز اللسان عن ذكرها، بل ويلعنهم أحيانا ويشهد له الجميع وينصرف وهو يدرك تمام الإدراك بأن التطاول على هذه الفئة من المجتمع لا يترتب عنه أي نوع من العقاب لا من طرف الصناع ولا من غيرهم فعرضهم ولحمهم مباح ومتروك بالمجان، وهذا ما استخفف بهم الناس وزاد في احتقارهم لأنهم وبكل بساطة لا يدافعون عن أنفسهم، وكما قيل في الماضي إن (من لا يدافع عن نفسه تأكله الذئاب)، وقول الشاعر:



من لم يذد عن حوضه بسلاحه






يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم



وهنا أعطيك أخي القارئ مثالا بسيطا على هذا الاحتقار وعدم الخوف من ذمهم لعدم وجود عقاب أو ردع من طرف الصناع أنفسهم.

يحكى أنه كان لأحد أكابر الصناع صديق وكان هذا الصديق مسافرا فلما أتى من سفره وأمضى ليلته الثانية ولم يأته صديقه الصانع أنشد يقول:



من مارت عن لمعلمين
ولد أفلان لليلتين






أبلا عهد أش ثان
عالم بي ما جان

ونذكر بأن ولد افلان اسم مستعار بدل الاسم الحقيقي الذي ذكره هو في أبياته لكننا تفادينا الاسم خوفا من الإحراج، وهنا قد يقبل من الشاعر أن يداعب زميله الصانع دون ذم الصناع الذين لا علاقة لهم البتة هذه القضية، لكن احتقاره لهم أصلا وعدم خوفه من رد يصيبه منهم أو باقي المجتمع هو ما حفزه على ذمهم وهم براء.

وهذا ما يفسر العجز التام والضعف لهذه الشريحة بحيث أصبحت عاجزة عن أبسط مقومات الحياة ألا وهي الدفاع عن النفس والكرامة.

وقد يقول البعض إن الصناع أو بعضهم مستفيدون من هذه المكانة الاجتماعية المتواضعة بحصولهم على بعض الامتيازات مقابل القيام بمهام يرفضها المجتمع، ويبدي استعداده لدفع مبالغ معتبرة مقابل القيام بدلا عنه بهذه المهام كحمل مهر الزواج وأخذ نسبة منه تقدرب 10% من مجموع المهر وهذا مبلغ معتبر إذا ما نظرنا إلى المنافسة القائمة بين قبائل المجتمع الأثرياء والتباهي في المناسبات بما يقدمه العريس لأصهاره.

لكن الممارسين لهذه العملية المربحة لا يدركون بأن الخاسر الأكبر وبالدرجة الأولى هو حامل هذا المهر مهما بلغت استفادته منه، لماذا؟ لأنه وبكل بساطة تصرف وصفه المجتمع بأن الممارس له وضيع ولا قيمة له اجتماعيا، والتالي يكون هذا العمل من وجهة نظر المجتمع مخصصا لفئة الصناع بوصفها فئة مرشحة لكل ما هو مذموم وحقير، وهذا ما يجب إدراكه من طرف كل ممارس لهذا النوع من التصرف، والتخلي عنه نهائيا مهما كان مستوى الاستفادة منه.

والأمثلة كثيرة من هذا النوع، فظاهرة ما يسمى عندنا تقليديا ب (التقواد) حاول المجتمع وبكل مكوناته إلصاقها بالصانع وهي من تخصص أناس آخرين من كافة مكونات المجتمع.

لكن رغم رذالتها هيئت للصانع، الذي كما أسلفت مهيأ لكل ما هو حقير ومذموم.

ومن هنا يكون للرد على السؤال الذي طرح في مقدمة هذا البحث معنى، وهو: هل للصانع دور فيما آلت إليه ظروفهم الاجتماعية؟.

فالمتتبع لشأن الصناع في المجتمع البيظاني يدرك بجلاء أنهم ساهموا كغيرهم من فئات المجتمع في نبذهم اجتماعيا بل يمكن القول بأنهم شاركوا في تدعيم وتجسد تلك التهم المزيفة ضدهم ولم يفهموا أنهم مستهدفون من البداية، الشيء الذي سهل الإجراءات المتخذة ضدهم اجتماعيا.

والمشكلة حسب رأيي أنهم لم يدركوا أن المجتمع وقف ضدهم بجميع مكوناته الاجتماعية، وبدأ بمهاجمتهم وصب اللعنات عليهم في الوقت الذي يدب الخلاف بينهم وتتفشى الصراعات بينهم وتلك الصراعات التي تمت تغذيتها من طرف المجتمع حتى تتسع الهوة بينهم جميعا، ناهيك أن الطمع والجشع وحب التقرب من الآخر للكثير منهم هو الآخر ساهم في ما آلت إليه ظروفهم.

هذا بالإضافة إلى اختلاف مدارسهم وثقافاتهم، الشيء الذي نتجت عنه أشياء كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر عدم التفاهم فيما بينهم وانعدام الثقة وتفاوت المستويات الفكرية وتفاوت الولاء للقبائل، فمنهم من لا يزال يرى أنه فعلا ملك لقبيلته ولا يمكنه التصرف بدون استشارتها، ومنهم من يرى أنه فعلا حر الأصل ومواطن يتمتع بما يتمتع به كافة المواطنين، ولا يقبل لأحد التصرف فيه وكأنه ملك له أو جزء من ميراثه.

ناهيك عن أن المجتمع يحاول دائما أن يفضل بعضهم على الآخر ويقنعهم بذلك حتى تتجسد فوارق اجتماعية أخرى بينهم.

وهذا يلتمسه الشخص العادي عند الاجتماع معهم في مناسباتهم السياسية والمهنية، بحيث يجد أن هذا الصانع مشبع بأفكار مفادها أنه أفضل اجتماعيا من غيره لأنه وبكل بساطة من القبيلة الفلانية ولا يحق لأي صانع أن يقوده أو يرأسه، متجاهلا أن المجتمع لا يفرق بينهم، فكلهم منبوذون وكلهم مسحوقون وكلهم مرفوضون، وهذا من وجهة نظري معوق للتآخي والتآزر والتفاهم.

فالكثير منهم لا يدرك بأن مصيرهم واحد سواء الآتي منهم من الجنوب والآتي من الغرب ومن الشمال والجنوب، كلهم من الناحية الاجتماعية في خندق واحد سواء منهم من قبل أم لم يقبل، ونظرة المجتمع لهم عامة وليست خاصة.

ناهيك عن أن المثقف منهم يرفض الجلوس معهم والتحدث معهم في شؤونهم الاجتماعية والسياسية بل ويغضب عند رؤيتهم فهم فئة أحاطت بها البلاوى من كل جانب حتى أبناؤها، أفلاذ أكبادها يرفضونها، أما أطرهم النخبة الذين من المفترض أن يؤطروهم ويتآزروا معهم ويساعدوهم فحدث ولا حر، فأبوابهم موصدة أمامهم حتى أنك تجدهم يخجلون عندما تذكر الأسماء، وتجدهم مع علية القوم يؤثرونهم ويتقربون منهم لعل ذلك يشفع لهم ويصنفوا بأنهم لم يعودوا صناعا بل أطر أكفاء متجاهلين بأن المجتمع لا يرحم وبأن الفوارق الاجتماعية لن تقبل لهم وحدهم نيل أي مكانة اجتماعية دون ذويهم، وأن شهاداتهم العالمية لا تعني للمجتمع الكثير، فالمجتمع له خصوصيته والفوارق الاجتماعية تعالج بطرق أخرى وبتضحيات أخرى غير التقرب من الجلاد والابتعاد عن الضحية.

هذا بالإضافة إلى ظاهرة التخلف، فهذه الشريحة تعتبر متخلفة ثقافيا مما جعلها غير مؤهلة لفهم الوضعية الاجتماعية التي آلت إليها في هذا المجتمع.

ولم يعطوا للعلم والتعلم ما يستحقه وخاصة العلوم العصرية وركزوا على أشياء أخرى كالمتاجرة والتصنيع اليدوي التقليدي وأشياء أخرى لغرض مادي بحت.

وكرسوا كل أوقاتهم لهذا النوع من العمل، وبالتالي لم يبق للعلم والمعرفة وقت كثير الشيء الذي أبقاهم متخلفين ثقافيا.

وهذا ما جعلهم يختلفون كثيرا ومن الصعب عليهم التوافق والتآخي والتآزر، لأنهم وبكل بساطة متخلفون.

فتجد سوقا متخصصا لهم وحدهم بكامله وتعجز أن تجد اثنين منهم متفقين في الرؤى والطرح، لكن تجد كل واحد منهم يكره الآخر بل ويمقته أحيانا، ويرجوا له كل الشر، وهذه حقيقة مرة لكنها قائمة.

فشبابهم المفترض أن يكون فوق التحديات ومسئول هو الآخر مكبل لأنه متخلف ثقافيا وحضاريا لدرجة أنه أصبح غير صالح لتبوأ مسؤوليات عامة ولو في تنظيماتهم النقابية والمهنية البسيطة.

أما الشيوخ منهم فقد مزقتهم المصالح والخلافات والنزاعات في أمور أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها أشياء ثانوية وغير مهمة مثل التنظيمات المهنية الضيقة، كالمناصب في المكاتب التقليدية، المعارض الدولية، وأشياء من هذا النوع، ناهيك عن أنهم يخافون من شبابهم المثقف ولا يثقون بهم على الإطلاق، ويرون أنهم لم يأتوا لمساعدتهم إنما أتوا لسحب البساط من تحتهم ورميهم في سلة المهملات، وهذا ما جعلهم في حرب دائمة معهم، واقع مرير يصعب السكوت عليه ويصعب معالجته، وساهم بشكل كبير في تكريس تلك النظرة الإزدرائية التي ينظر بها المجتمع إليهم وجسدها واقعهم المعاش يوميا وعلاقاتهم بعضهم ببعض.

فهم اليوم مقسمون إلى فئات كثيرة:

1- فمنهم المحبط من وضعيتهم لأنه بذل جهودا كثيرة في إخراجهم من هذه الوضعية المزرية وضحى بالغالي والنفيس ووجد نفسه عاجزا عن إنجاز أي شيء.

2- ومنهم الحائر والمستغرب من شريحة اجتماعية تجمعها المكانة الاجتماعية والمهنية والدينية، وهي عاجزة تمام العجز عن التفاهم والتآخي والتراحم.

3- ومنهم المتفرج كأن الأمر لا يعنيه وغير معني به ولا يهمه ولا يمكنه أن يساهم في توعية أهله أن العالم اليوم عالم تكتلات والمصلحة العامة لكل فئات المجتمع تتطلب التآخي والتراحم بين الفئة الواحدة من المجتمع وبينها وباقي فئات ومكونات المجتمع الأخرى.

4- ومنهم المنسحب الذي يدعي أنه لا ينتمي إلى هذه الشريحة ويدعوا نفسه إلى فئات أخرى من المجتمع أكثر قبولا، وهذا النوع لا يحظى بكثير من الاحترام من طرف الصناع أنفسهم ولا ينتظر منه الكثير.

5- ومنهم المضحي بوقته وماله من أجل أن تخرج هذه الفئة المهمة من المجتمع من نفق التباغض والتحاسد والخلافات إلى جو التآخي والمحبة والاحترام المتبادل.

وهذا لعمري هدف ينشده الجميع ولا يمكنه أن يتحقق إلا بتضافر كل الجهود، كل حسب مستواه، فالمثقف من هذه الشريحة يتحمل الدور الكبير، فعليه أن يكرس وقته في تأطير مجتمعه المنتمي إليه والممزق اجتماعيا وسياسيا حتى يدرك أن التلاحم والتآخي والمحبة هم الوسيلة الوحيدة لنيل احترام وتقدير الغير، وتبوأ المكانة الاجتماعية والسياسية اللائقة في المجتمع وفي الدولة.

فإذا نظرنا إلى الوضعية السياسية للصناع اليوم من حيث المناصب السياسية في الدولة ندرك أنها معدومة بحث لا يمكنك أن تجد من هذه الشريحة الكبيرة والمجذرة في المجتمع والمليئة بالكفاءات والشهادات العالية أية مناصب عالية في الدولة فلا وجود لهم في الحكومات المتعاقبة ولا تحت قبة البرلمان ولا الإدارات المهمة، ولا يمكن أن تجد منهم واليا ولا والية ولا حاكما ولا حاكمة ولا حتى رئيس مصلحة وكأن الأمر لا يعنيهم أو لا يحق لهم وخبرتهم الطولية في مختلف التخصصات لا قيمة لها، وهذا لعمري ظلم وتغييب لا مثيل له على الإطلاق.

فهم فئة اجتماعية تمثل ركيزة معتبرة من المجتمع ولا تنقصهم الكفاءات فمنهم الدكاترة والمهندسون وأصحاب الشهادات العالية وهم مخلصون لدولتهم، لكن المعوق الوحيد لهم هو أن المكانة السياسية اللائقة في الدولة لا تعطى بالمجان وتحتاج إلى تضحيات، وهم بعيدون كل البعد عن هذه التضحيات، فهم مختلفون وعاجزون عن توحيد الرأي الذي يجمعهم، مما جعل القائمين على الدولة لا يولون لهم اهتماما من حيث المناصب المقسمة في كثير من الأحيان على فئات المجتمع كل حسب دوره السياسي والاجتماعي.

وإذا نظرنا إليهم من الناحية الاجتماعية فستجدهم عاجزين اجتماعيا عن تبوأ المكانة الاجتماعية اللائقة بهم وبدورهم المحوري في هذا المجتمع وبتضحياتهم، الكثيرة من خدمة للمجتمع والسبب هو أنهم على اختلاف دائم فيما بينهم ولا يدركون أن هذا الخلاف القائم بينهم هو خلاف مقصود ومفتعل من طرف أطراف خارجية ويغذى دائما عندما يتطلب الأمر ذلك.

حتى إنك إذا ما نظرت إليهم من الناحية المهنية فستجدهم عاجزين بل مغلوبين على أمرهم، وإطارهم القانوني الذي من المفترض أن يكون الجامع المانع للمهنيين منهم والمتخصصين منهم أصبح إطار تفرقة وإطار خلاف بينهم لأنه وبكل بساطة لا يخدمهم بل يخدم مصلحة فئات أخرى من المجتمع تحت ذريعة (المهن العصرية) التي هي في الغالب من إنتاجهم بمعنى أن نسبة 90% من الأعمال الحرفية من تخصصاتهم وتدار من طرفهم وهم اليوم مقصيون من مصدر القرار في الغرفة الوطنية للصناعة التقليدية والحرف ومن الاتحاديات الجهوية، وخاصة اتحادية نواكشوط المدارة من طرف آخر لا علاقة له إطلاقا بما يسمى بقطاع الصناعة التقليدية والحرف.

وبالتالي يكون الصانع الموريتاني المهني الذي يمثل نسبة 95% من منتسبي الغرفة معزولا ولا دور له على الإطلاق في عملية التسيير ولا حتى الاستشارة، والأموال الكثيرة التي تأتي باسمه من طرف الممولين الدوليين المهتمين بالقطاع تكدس وتكرس لأشياء أخرى وهذا لعمري هو ما جعل القطاع في تراجع دائم.

وعلى العموم فإنه يمكن القول إلى إن هذه الوضعية المزرية للقطاع وأهله راجعة إلى ضبابية الرؤية السياسية للدولة فيما يتعلق بتطوير وتثمين هذا القطاع الحيوي من قطاعات الدولة.

هذا بالإضافة إلى الخلافات القائمة بين القائمين والفاعلين والمهنيين من الصناع أنفسهم، مما أتاح الفرصة لأطراف أخرى لا علاقة لهم بالصناعة التقليدية لا ثقافيا ولا اجتماعيا ولا مهنيا بالسيطرة الكاملة على جميع المناصب القيادية في هذه التنظيمات المهنية.

وأصبح الصانع هو الضحية ولا دور له على الإطلاق، والغريب في الأمر أنه هو الذي ساهم في إقصائه بنفسه من حيث لا يدري.

وهذا كما أشرت آنفا راجع إلى ضعف المستوى الثقافي والسياسي للقائمين على هذه الحرف التقليدية والعصرية وامتناعهم عن القبول بالمثقفين منهم ذوي الكفاءة والقدرة على المساهمة الفعالة وفهم الأمور فهما صحيحا.



وانطلاقا مما سبق ذكره في الجزء الأول من هذا البحث من معاناة هذه الشريحة الاجتماعية والظلم الحاصل لها من طرف المجتمع والقادة السياسيين في هذا البلد والتمييز والاحتقار والإقصاء والغبن السياسي.

وما تعانيه مهنيا من الوزارات ذات الوصاية من تغييب واستحقاق وتهميش، هذه المعاناة التي قد لا يراها غير المكتوي بنارها والتي تحتاج إلى إرادة صادقة لإزالتها أو على الأقل التخفيف من وطأتها على هذه الفئة من هذا المجتمع.

لكنه وفي هذا المقام ولقناعتنا الراسخة بأن المسؤولية عن هذا الواقع مسؤولية الجميع، فهي مسؤولية مزدوجة يتحمل كل من الصانع والمجتمع والدولة جزءه منها.

وعليه فإننا نرى أنه من الضروري التحلي ببعض المسلكيات لكل من الصانع نفسه والمجتمع من جهة والدولة من جهة أخرى.



واجبات الصانع



1- فمن الناحية الاجتماعية يجب على الصانع أولا وقبل كل شيء أن يقتنع بأنه شخص مهم وفاعل ويمارس عملا شريفا وله الحق المطلق في مزاولة النشاط الذي يختاره بكل حرية ولا ينقص ذلك من شأنه شيئا.

2- كما يجب عليه أيضا أن يظهر للمجتمع بأن تلك التهم المزيفة بحقه والمحاكة ضده لا أساس لها من الصحة، وحتى يقنع الجميع فعليه أن يقنعهم بالممارسات قبل الأقوال ويثبت للجميع أنه فعلا جدير بالاحترام لأنه محترم ويحترم الجميع.

3- كما يجب عليه أن يظهرذلك في سلوكه ومعاملاته وأخلاقه وأن لا يعتبر نفسه أقل شأنا من غيرها، وأن ينفتح على الآخر.

4- وأن يتجه إلى العلم والمعرفة فبدون العلم والمعرفة لا يمكن أن يحصل أي تقدم.

5- أن يكتب عن تاريخه ودوره الحضاري المتميز في المجتمع حتى يظهر للجميع أنه كان وما زال يخدم المجتمع ولم يكن يوما عالة عليه.

6- وأن يطور عمله اليدوي حتى يتماشى مع التطور الحاصل للمجتمع، فمن غير المعقول أن يتقدم المجتمع ويستغني عن إنتاج الصانع التقليدي ويبقى الصانع ينتج نفس متطلبات المجتمع التقليدي بل هنالك متطلبات جديدة ومتطورة يجب على الصانع أن يقوم بتطويرها حتى يتسنى له تقديمها حتى يساير الركب.

أما تلك المنتوجات التقليدية فهي مهمة لكنها من وجهة النظر الثقافية فهي جزء من تراث وتاريخ مجتمع، يجب أن تصان وتحفظ في المتاحف والدور المخصصة لذلك.

7- كما يجب أن يفهم أن المكانة الاجتماعية التي يسعى إليها لا يمكنها أن تتحقق بشكل انفرادي إلا إذا كان يقدر ويحترم نفسه أولا وأمثاله من الصناع والمشتركين معه في المهنة وفي التركيبة الاجتماعية، وأن يقدر جهودهم وأن لا ينجر في متاهات الخلاف والحسد والبغض لأقرانه، فالمثل الحساني يقول:
"أل اعشاك وأعشاه فاكدح لا تكب".

8- كما يجب على الصانع الموريتاني أن لا يقلد في عمله الجانب المادي ويهمل الجانب الثقافي والتاريخي والحضاري، فهذه الجوانب الثلاثة هي التي تعكس للمجتمع التعريف الحقيقي للصانع الموريتاني.

9- كما يجب عليه أن يركز على المظهر اللائق لورشته أو محله وأن يحافظ على نظافتها ومظهرها الداخلي والخارجي حتى يكون هو في موضع لائق ومريح، وهذا ما يمكنه من الإبداع لأن ظروف محل العمل أساسية للعامل، كما أنها تعطي لصاحبها مكانة واحترام من لدن الزائرين والزبناء.

10- كما يجب على الصانع أن لا يضعف نفسه للآخر فهو قوي ولا يحتاج لمن يقدم له المساعدة المهم أن يكون إيمانه قويا ومعتمدا على نفسه دون غيره.

هذه النقاط العشرة التي تم ذكرها يجب على الصانع التقليدي أن يدرك أنها ضرورية له ولمجتمعه ومن الضروري التحلي بها حتى يثبت للمجتمع أنه فعلا جدير بالاحترام والتقدير، وأن لديه رسالة الهدف الأساسي منها هو خدمة هذا المجتمع المنتمي إليه عرقيا وثقافيا واجتماعيا.



واجبات المجتمع



هذا المجتمع الذي يجب عليه هو الآخر أن يتفهم معاناة الصانع التقليدي الموريتاني وأن يقدر مجهوداته وأن يشجعه على هذا الدور الحضاري المتميز خدمة لمجتمعه وديمومة لاستمراريته، وأن لا يقزم هذا الدور حتى لا يحبط كما هو حاصل اليوم.

كما يجب أيضا على المجتمع الموريتاني بجميع مكوناته الاجتماعية أن يتخلى وأن يكف عن صب لعناته على الصانع الموريتاني وأن يحترم شعوره وإنسانيته خاصة أنه لا يستحق هذه الهجمة الشرسة فهو بطبيعته مسالم ويحترم الجميع.

كما يجب عليه أن يتفهم أن الصناعة التقليدية والقائمين عليها هي في حد ذاتها جزء من تراثه وتاريخه فمن لا يحترم تاريخه ولا يقدر تراثه فهو نفسه غير جدير بالتقدير والاحترام، ولا مستقبل له على الإطلاق فكيف تشن حرب عشواء لا مبرر لها ضد من يحمل تراثنا وتاريخنا الطويل فمن لا تاريخ له لا حاضر له ومن لا حاضر له لا مستقبل له.

كما يجب أن يتفهم أن عزل الآخر وتهميشه وسحقه اجتماعيا والتعالي عليه واحتقاره أمور أصبحت مذمة في المجتمعات الحديثة وغير مقبولة وتنم عن التخلف والجهل ويعاقب عليها قانونيا، فالمجتمعات لا تتقوى إلا بالعدالة والمساواة لدى جميع مكوناتها.

فإذا عمت العدالة الاجتماعية في أي مجتمع فإن المحبة والتقدير والتآخي والتآزر سيعمان في هذا المجتمع.

كما يجب أن يقتنع أن هذه الشريحة الاجتماعية هي جزء لا يتجزأ من التركيبة الاجتماعية له، كما يجب عليه أن يدرك أنها تحمل نفس الأصول العرقية معه وأنه لا مبرر للتمييز ضدها وعزلها اجتماعيا.

كما يجب عليه أن يدرك أن هذا التمييز ضد شرائح معينة لم يعد مقبولا من طرف هذه الشرائح، ولم يعد مفهوما في ظل دولة القانون، ويجب التخلص منه وإلى الأبد لأنه وبكل بساطة يهز كيان وحدتنا الوطنية ولا يخدم إلا فئة قليلة من الإقطاعيين المتعودين علي هذا النوع من الممارسات والمدافعين عنه.

كما يجب على مجتمعنا أيضا أن يتخلى عن تلك الممارسات التقليدية المجحفة في حق الآخرين والتي لم تعد تتماشى مع متطلبات العصر والتي هي في حد ذاتها معوق أمام تقدم وتطور المجتمع.

كما يجب عليه أن يدرك أن التآخي والتآزر والاحترام وتقدير كافة الشرائح الاجتماعية المنتمية إليه مسألة ضرورية، والمجتمع في أمس الحاجة إليها، خاصة في هذه الظرفية الحرجة من تاريخه المعاصر المليء بالتحديات والأخطار وحتى المؤامرات الإقليمية والدولية.

فمن غير المفيد لمجتمع يطمح لمسايرة الأمم المتقدمة ويصبوا إلى أن يكون مجتمعا عصريا أن يمارس التمييز والازدراء والاحتقار لشرعية يشهد لها هو نفسه بنبالة رسالتها، وباحترامها لمجتمعها بكافة مكوناته وبوطنيتها وانضباطها واحترامها للقانون.

هذه النقاط العشر التي تم التطرق لها في البحث والتي ترى أن التحلي بها من طرف المجتمع سيساهم لا محالة في إنصاف المظلوم والقضاء تدريجيا على ظاهرة التمييز، ومن شأنها أن تحقق العدالة الاجتماعية لهذه الشريحة والتي فقدتها منذ أن أخذت على عاتقها مهمة الصناعة التقليدية تلك المهنة المربوطة اجتماعيا بكل ما هو مذموم ومحتقر.

لكن يبقى السؤال المطروح في هذا المقام والأكثر إلحاحا هو:

ما هو الدور الذي يجب على الدولة أن تقوم به إنصافا واحتراما لشريحة كانت وما تزال تعاني من الظلم والحرمان اجتماعيا وسياسيا ومهنيا في مجمل فتراتها التاريخية.

فخصوصية دولة القانون أنها دولة المساواة والعدالة لكل ما لهذه الكلمة من دلالة (عدالة- سياسية-عدالة اجتماعية) فمن غير المعقول أن تظل الدولة والقائمين عليها في موقع المتفرج على تهميش وإقصاء فئة من أهم مكونات المجتمع وأكثرها إنتاجا وخدمة لها.

فعلى الدولة الموريتانية أن تتحمل المسؤولية وتظهر للجميع احترامها وتقديرها لمجهودات يد الصانع التقليدي ومهاراته وخدمته لهذا المجتمع منذ نشأته إلى يومنا هذا.

كما يجب عليها أن تقف أمام كل الذين يدافعون عن ظاهرة الفوارق الاجتماعية وتثبت لهم أن المواطنة وخدمة هذا الدولة هي المعيار الوحيد للمكانة الاجتماعية والسياسية.

وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بتبلور إرادة سياسية واضحة المعالم يكون من شأنها التعريف بالدور المحوري الذي كان وما زال يلعبه الصانع التقليدي خدمة للمجتمع هذا بالإضافة إلى طرح استراتيجيه لتثمين وتعليم وتطوير الصناعة التقليدية والرفع من الإنتاجية حتى تتمكن من مسايرة الركب، وحتى تقضي على ظاهرة الفقر المتفشي في أوساطها.

كما يجب عليها ومن باب العدل والمساواة بين كافة

فئة الصناع في موريتانيا.. جزاء سينمّار !

alt

 

ما من أمة إلا وتقرّ بأهمية العمل الحرفي، وقلّ أن تجد مجتمعا إلا ويحترم أصحابه ويقدّرهم، ولا دين في الماضي أو دستور في الحاضر إلا ويمجد العمل ويحترم العاملين، وقد كان موقف الدين الإسلامي حاسما في إبراز فضل العمل في نهضة الأمة، وحفظ كرامة الإنسان. وهكذا حدثنا القرآن عن أنّ الأنبياء ـ والأنبياء خير خلق الله ـ امتهنوا سائر الأعمال ومنها الأعمال الحرفية، فآدم اشتغل في الحراثة والنبي إدريس اشتغل بالحياكة والنبي داود كان حدادا يصنع الدروع ويبيعها، ونوح وزكريا كانا نجارين وموسى كان راعيا ... وقد سار نبينا صلى عليه وسلم على هذا النهج، فرعى الغنم ومارس التجارة، وكان من أصحابه الأجلاء الحداد والحائك والنجار والمزارع وغيرهم.

غير أنّه من الغريب حقا أن يكون للمجتمع الموريتاني المسلم موقف سلبي من الحرف والحرفيين، حصل ذلك في المجتمع التقليدي ولا يزال قائما في الدولة الحديثة، ومن مظاهره الاستهانة الواضحة بالأعمال الحرفية، والاحتقار الشديد لأصحابها، خصوصا إذا ما كانوا من فئة الصناع التقليديين المعروفين عندنا ب"لمعلمين". والأغرب من ذلك أنّ هذا الأمر ثابت في الذاكرة الجمعية، ومحنّط لا يقبل التغير بحسب الزمان أو المكان، فمنزلة الصانع المتدنيّة في السلم الاجتماعي معروفة بل ومتوارثة من جيل إلى جيل، حتى ولو كان الشخص المعني بذاته ليس صانعا، وإنما مارس أحد آبائه أو أجداده مهنة الصناعة التقليدية، فتنتقل إليه ـ بالوراثة ـ جينة "لمعلمين" بحمولتها المجحفة!

و كفى تأكيدا على صحة النظرة الازدرائية التي ينظر بها المجتمع الموريتاني للصناع كون عبارة "امعلم" عند جميع الشعوب العربية الإسلامية ـ وهي الشعوب التي تمثل العمق الحضاري لهذه البلاد ـ تعني التقدير والاحترام، وينفرد الشعب الموريتاني وحده باعتبارها دالة على الذم والشتم.

ولتوضيح الصورة في أبعادها المختلفة، وجب الحديث عن بعض الأمور تمييزا للحق عن الباطل، وفصلا بين الواقع والخرافة.

في مسألة الأصل:
"الناس مصدقون في أنسابهم"، قول مأثور، ويجري به العمل على نطاق واسع في موريتانيا، لكنّ عيبه أنّه مبدأ حربائي في هذه البلاد، واستبدادي كقانون الغاب أو كالفيتو الأمريكي، فهو انتقائي ومزاجي، يُقبَل أن يمتهنه قوم لمصلحتهم إلى حد التعسف، ويُمنَع أن يرفعه آخرون كي لا تقوم لهم قائمة، فمن خلاله يدعي البعض لنفسه ما يشاء من أطيب الأنساب وأنبل الأصول، ويجب أن يصدق في ذلك، حتى ولو كانت الأدلة والقرائن ـ في بعض الحالات ـ تكذّبه، وبواسطته كذلك، يفرض على آخرين من النسب الجائر ما لا وجود له، ويجب تكذيبهم في ما يدعونه لأنفسهم من النسب، ولو أن لديهم من الأدلة ما لا يقبل الدحض.

فمبدئيا، يقول الله تعالى "يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" ويقول "هو الذي خلقكم من نفس واحدة" وقال صلى الله عليه وسلم "كل الناس لآدم وآدم من تراب"، وقال: "لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى"

ثم إن للمجتمع الموريتاني كما تشير إليه كتب التاريخ أصولا عامة لا يخرج عنها، ، وداخل هذه الأصول تندرج كل شرائحه، وهي الأصول العربية والصنهاجية والزنجية، ومن المؤكّد أنّ فئة الصناع التقليديين ليست إلا جزء من هذا الطيف الديموغرافي لساكنة هذه البلاد، فمنها ما هو عربي ومنها ما هو صنهاجي، ومنها ما هو زنجي، يشهد على ذلك الواقع والتاريخ واللسان واللون والعادات.

وإضافة إلى هذا يستحيل أن تجد أحدا ممن ينتسب إلى ما يعرف بفئة الصناع في مجتمع "البيظان" على وجه الخصوص إلا وهو متمسك بنسبه العربي أو الصنهاجي، وعنده من الأدلة مثل ما عند غيره من شرائح هذا العنصر. وقد جاء في كتاب الوسيط لأحمد بن الأمين الشنقيطي في معرض حديثه عن فئة الصناع: "على أن هذا ليس نسبا يرجع إليه عند أهل الشرق، وهم محقون في ذلك، بل هو من باب الحرف، وهذا شيء انفرد به أهل صحراء المغرب ( يريد موريتانيا حاليا)، وهو محض خطأ، فإذا أرادوا أن يضعوا من قدر شخص، قالوا "هو امعلم" وهذا بعينه مدح في بلاد أخرى كمراكش وفاس، فإني رأيت بعض أشياخ الطرق يشتغل بصناعة الحديد، وكان الوليد بن المغيرة القرشي المشهور حدادا، ولم تذمه قريش بذلك، بل هو أحد الرجلين اللذين أشارت إليهما الآية القرآنية "وقالوا لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم". انتهى الاستشهاد.

وجاء في كتاب حياة موريتانيا للمؤرخ المختار ولد حامدن "الصناع يربطهم العمل، ولا يربطهم النسب، ومنهم العربي والشريف..." وورد في كتاب "تاريخ موريتانيا" للدكتور الباحث حماه الله ولد السالم "الصناع فئة لا ترجع إلى أصل واحد فمنها العربي والصنهاجي والسوداني، وقد عرفت بدورها التجاري والاقتصادي".

ويقول الباحث سيد أعمر ولد شيخنا الكنتي "ما ذكر عن الحدادين بديهي البطلان، إذ من المعلوم أنهم لا يرجعون إلى أب واحد، وإنما جمعتهم الحرفة، فمنهم شريف الأصل، ومنهم من هو عربي محض، ومنهم أئمة وأفاضل، فمن نسبهم إلى الرق أو الشؤم أو من أبطل شهادة من ظهرت عدالته منهم أو منع إمامته ضل وكذب، وقال ما لا علم له به".

ورغم هذه الأدلة وغيرها كثير متناثر في كتب التاريخ والسيسيولوجيا، فإن نظرة "الدونية" إلى فئة الصناع لا تزال قائمة، والأسوأ من ذلك ما يمكن أن نسمّيه "مؤامرة الصمت" المستمرة على الواقع المزري اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا لهذه الفئة، تلك المؤامرة التي تساهم فيها جهات عديدة، من داخل الفئة وخارجها، وأخضّ بالذكر هنا قادة الرأي والفكر والعلماء والمثقفين، إلا من رحم ربك.

وتأسيسا على السابق يبدو من الواضح أن ثمة إشكالا حقيقيا والتباسا واضحا في أذهان كثير من الموريتانيين بشأن أصل فئة الصناع، فالجزء الأكبر من الموريتانيين يصر ـ مخطئا في ذلك ـ على أن للصناع نسبا خاصا دون نسب "البيظان" (بالمفهوم الضيق لهذه العبارة) وعلى ذلك يجري التعامل معهم، اجتماعيا على الأقل، بحيث لا يقبل الزواج منهم أو معهم، بل إن عليهم أن يبقوا مجموعة داخلية ـ حتى لا نقول دخيلة ـ يحظر عليها التمازج مع النسيج الاجتماعي العام. وأما الجزء الأقل من الموريتانيين فهو مقتنع ـ مصيبا في ذلك ـ بأن الصانع عامل، والصناعة ليست أصلا وإنما هي حرفة، ولا يجوز عنده أن يقع الظلم الاجتماعي على هذه الفئة، غير أنّ ما يؤخذ على هذا الجزء هو أن موقفه هذا يبقى مكتوما، ولا يتم البوح به إلا في حالات نادرة.

أما عن الفئة نفسها فحدّث ولا حرج، فهي مقسمة بين نسبة عريضة ألفت واقعها المر، فتعايشت معه رغما عنها، وقبلته على مضض، تزيدها في ذلك صرامة العادات والتقاليد من جهة وواقع الأمية والفقر من جهة ثانية، فلا هي امتلكت الجرأة والشجاعة اللازمة لتواجه العادات والتقاليد الجائرة وتتصدى لها، ولا هي نالت نور العلم أو بريق الدراهم ليحسّنا وضعيتها المعنوية والمادية.

ونسبة ثانية قليلة من هذه الفئة، تلقّفت هذا الواقع ووجدت فيه ضالّتها المنشودة، فاتخذته وسيلة للتكسّب، وطريقة للاحتيال على ما عند الغير، ترضى بكل مهانة وتقبل كل مذمة في سبيل تحصيل بعض الدريهمات لتعينها على مواجهة قسوة الحياة.

ونسبة ثالثة، قليلة هي أيضا، لكنها على العكس من الأولى، حظيت بنصيب من العلم أو المال، أو هما معا، فركنت إليه ناسية أو متناسية واقع الشريحة التي تنتمي إليها، فقطعت الصلة معها، وتطلّعت إلى الاندماج نهائيا في المجتمع لولا المنزلة والنظرة والثقافة الإقصائية وعبارة "امعلمين" التي تُشهر في وجهها كالبطاقة الحمراء ـ بمناسبة أو بغير مناسبة ـ حاملة شحنتها الدلالية المؤرقة.

وتصبح الحصيلة العامة، انطلاقا من مسألة الأصل هذه، بقاء ما كان على ما كان عليه، فالصناع إلى اليوم، فئة تقبع في أسفل السلم الاجتماعي، وتمارس عليها أصناف عديدة من الظلم الاجتماعي، ولا أحد من داخل هذه الفئة أو من خارجها يحمل على عاتقه مسؤولية المساهمة في تصحيح وضعيتها، وإنزالها منزلتها الاجتماعية اللائقة بها.

أكاذيب تشوّه وجه الحقيقة:
لقد أمعن كثير من المجتمع الموريتاني في ظلم فئة الصناع، وتفنن في صنوف الكذب والخرافة والدجل حتى يلبس "الصانع" كل سيئة ويسند إليه كل مذمة، من ذلك أن الصانع أصبح مضرب المثل في كل الأخلاق السافلة مثل الكذب والجبن والشره والشؤم، وترى أقواما في هذا الشأن ينسجون الحكايات من محض الخيال وينسبونها إلى الصانع، وعلى طريقة أشعب وعرقوب وجحا وطويس يتندّرون بقصصه في مجالس أنسهم وسهرات لهوهم، بل ترى فيهم من يزوّر التاريخ ليؤكّد صحة ما يرويه من خرافات وأساطير.

من تلك الأكاذيب قولهم إن الصانع لا يصلح للإمامة ولو توفرت فيه شروطها وليس من مصرفي الزكاة ولو كان من العاملين عليها، ولا تقدم له الصدقة ولو كان محتاجا إليها ولا يمكن أن يكون كفؤا للمرأة من غير الشريحة التي ينتمي إليها، متناسين قوله صلى الله عليه وسلم "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".

والأخطر من ذلك قول بعضهم بأن من كسر رباعيته صلى الله عليه وسلم في معركة أحد كان صانعا، وكذلك من رمى عليه السّلى، وأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا خير في الحداد ولو كان عالما" ناسين قوله الحق "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". وما ذلك إلا لأنهم حين شبعوا من تشويه صورة "الصانع" في الحاضر، تتبعوها في الماضي ليشوهوها كذلك بالزور والبهتان.

جزاء سينمّار!
تقول القصة إن سينمّارا كان بنّاء ماهرا، برع في فن العمارة، فطلب منه أحد الملوك أن يبني له قصرا، فبناه له، فكان غاية في الحسن، وبينما هو يطلعه على ما في القصر من معالم الجمال، إذ اقتربا من شرفة عالية، فألقى الملك سينمّارا إلى الهاوية لكي لا يتمكن من بناء قصر مشابه لغيره، فسقط سينمّار ميتا فكان ذلك جزاء له، ويا له من جزاء! وفي المقابل برع الصانع الموريتاني في الأعمال الحرفية، ووفّر لمجتمعه خلال فترات طويلة من تاريخه، وفي ظروف صعبة كل ما يحتاج إليه من وسائل وآلات كالتوابيت والآنية والسروج والأسلحة والرحال والألواح.. وقد جعلت هذه الآلات ـ وغيرها كثير ـ الموريتاني القديم قادرا على التكيّف مع تلك الفترات والظروف الصعبة، غير انّه لمّا نجح الصانع الموريتاني في عمله نجاحا باهرا، وبدلا من أن ينال الاحترام والتقدير في المجتمع كانت المكافأة بإسقاطه من عيون الناس، ونسج الحكايات المهينة حوله ، بل وخُصّ بكلّ سمات الدونية والاحتقار. فتم قتله معنويا، ولموت سينمّار المادي أكثر رحمة وراحة من موت الصانع المعنوي، لأنه بالمقياس العام، الأول مؤقت، والثاني مستمر، الأول فردي والثاني جماعي، الأول فيه عزة وشهامة، والثاني فيه ذل ومهانة.

التهميش .. سيّد الأدلة:
تعرض الصناع الموريتانيون على مدى تاريخهم الطويل للتهميش المقصود، مثلما تعرضت سمعتهم للهدم المنظّم، فلا حضور لهم في السابق في تدبير الشأن العام للمجتمع سياسيا واجتماعيا، ولم تتح لهم فرصة الاستفادة المادية أو المعنوية من امتيازات النظام التقليدي ـ على بساطتها ـ رغم ما يمتلكه البعض منهم من قدرات وكفاءات، ومثلما حصل ذلك في السابق امتدّ اليوم إلى "دولة القانون" التي تحمل شعار العدالة والمساواة. فخلال كل تاريخ الدولة الموريتانية الحديثة لم نجد من هذه الفئة من أسند إليه تدبير بعض الشأن العام أو تقلّد بعض المناصب المهمة في الدولة إلا أفرادا قليلين جدا. والسؤال المطروح: هل إن المنحدرين من هذه الفئة لا يمتلكون من الخبرة والكفاءة ما يؤهلهم لتحمل المسؤوليات، أم أن النظرة ذاتها والمنزلة نفسها التي فرضت على "الصناع" قديما في مجتمع القبيلة العصبي لا تزال تفرض عليهم حتى اليوم في ظل قيام دولة القانون؟

الاقتراحات والحلول:
1 ـ إن على الدولة كسلطة مركزية أن تعتني بهذه الفئة، وأن تعيد إليها الاعتبار المعنوي قبل المادي، والأمر يقتضي تثقيفا اجتماعيا عبر وسائل الإعلام الرسمية وعبر المناهج الدراسية، كما يقتضي إشراكا للمنحدرين من هذه الفئة ـ كسائر فئات المجتمع الموريتاني ـ في المراكز الهامة في الدولة، وهي ليست دعوة إلى المحاصصة الطائفية، بقدر ما هي مطالبة بحق في دولة يبدو أنه ـ للأسف ـ لا حق فيها لمن لا يطالب بحقه. وكذلك على الدولة أن تولي مزيدا من التشجيع لجمعيات وتعاونيات الصناعة التقليدية، دعما لمجهود العاملين في هذا المجال، وتحسينا لظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، حتى يتمكنوا من خدمة وطنهم في الحاضر، كما خدموا مجتمعهم في السابق.

2 ـ على فئات واسعة من المجتمع الموريتاني تراكمت في ذهنها ـ باطلا ـ وطيلة فترات زمنية طويلة ثقافة احتقار فئة الصناع والتقليل من شأنها وتزييف تاريخها أن تراجع نفسها وتصحّح موقفها، لأنّ العودة إلى الحق أفضل من التمادي في الباطل، ولأنّه لم يعد من المقبول في عصر الحريات العامة وحقوق الإنسان أن يتم ظلم بعض الناس بالاعتماد على ما تنسجه المخيلة الاجتماعية من أساطير وخرافات، أو بالرجوع إلى خلفية تاريخية ظلمها بيّن وطبقيّتها واضحة.

3 ـ بوسع الحكماء في مجتمع البيظان على وجه الخصوص من أئمة وفقهاء ومصلحين وشيوخ أن يدفعوا باتجاه الدعوة إلى احترام كل مكونات المجتمع وتداخل جميع شرائحه، ونبذ التمييز الطبقي والتّراتبية العصبية في زمن تهب فيه على هذا العنصر تحديدا عواصف عديدة داخلية وخارجية، ولا يمتلك إزاءها ـ دفاعا عن وجوده ـ إلا أن يقف صفا مرصوصا، ومن متطلبات ذلك العدالة والمساواة والاحترام المتبادل. وأرى من المناسب هنا بأن يطالب هؤلاء جميعا ـ من موقع الحرص على بقاء هذا المجتمع وتلاحمه ـ بفك العزلة عن فئة الصناع وإعادة الاعتبار إليها لينفتح المجتمع أمامها وذلك بتشجيع المصاهرة المتبادلة، تكريسا لمبادئ الإسلام وعملا بالحديث الشريف الذي ذكر أعلاه.

4 ـ من مهام وسائل الإعلام المختلفة رسمية كانت أو خاصة، من إذاعة وتلفزيون وصحف ومواقع الكترونية أن تعالج مثل هذه المواضيع الهامة بواسطة برامج وحوارات وكتابات صريحة تضع النقاط على الحروف، لتصحح معلومات مشوهة حول هذه الفئة تراكمت لفترات طويلة وتكرّست داخل المجتمع حتى بدت كما لو أنها حقائق.

5 ـ على رجال الفن والشعر والمسرح أن يطلعوا بدورهم في هذا المجال، وأن يسخّروا ما لديهم من الوسائل المؤثّرة كالتمثيليات والقصائد والأغاني لمعالجة هذا الموضوع وتنوير الناس حوله.

خاتمة:
نحن هنا في موريتانيا نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يضمن لكل ذي حق حقه، ويقوم على أسس الإخاء والعدل والمساواة لأننا ببساطة لا نريد أن نعيش دائما على فوهة بركان، أو نرتمي في كل مرة فوق كف عفريت، أو يعيش بعضنا في دولة لا يحس بلذة الانتماء إليها، ما دامت لم تبذل أي مجهود لترفع عنه الظلم أو تزيل التهميش.

وقد آن للمجتمع الموريتاني أن يعود إلى التمسك بقيمه الإسلامية في هذا المجال، والتي تؤكد ـ كما سلف ـ أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ويبتعد ـ عملا بمقتضيات الإسلام ـ عن الاستعلاء والتعصب والتكبر، فإن لم تكن هذه ـ وهي الأوْلى ـ فقد حان الوقت لأن يستوعب قيم الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان التي يبدو أنها أصبحت دين العالم الحديث وديدنه.

وخاتمة القول هي أنّ على المجتمع الموريتاني أن يعيش مبادئ الاحترام المتبادل والإخاء والعدالة والمساواة في واقع حياته، فكرا وممارسة، حتى لا تبقى مجرد شعارات تلوكها الألسن، ثم لا تجد إلى القلوب والأفهام طريقا.

إن قسوتُ فلي شفيع / د. محمد ولد محفوظ

alt


سامحني أيها المجتمع العزيز، وتحمّل قسوتي عليك مرة واحدة، فإنّ لقسوتي شفيعا وهو أنّي تحمّلت قسوتك عليّ آلاف المرات.

أنا لن أتهمك بالجبن كما اتهمتني، ولن أطعن في شرفك كما طعنت في شرفي، ولن أصفك بالكذب كما وصفتني، وحاشا أن ألصق بمقامك المحترم أوصافا لا تليق كتلك التي ألصقتها بي مثل الحمق والشره واللؤم والشؤم...

ولكني على كل حال سأقول بأني أتحدّى أعرافك البالية، وأكفر بقيمك الاجتماعية المفلسة، ولا أومن بقبليتك السقيمة ولا بطبقيتك المتعفّنة، وسأقول بأنّك لا زلت تشبه المجتمع البدائي تراتبية وعصبية، وأنّك لم تستوعب بعد منطق العصر ومتغيراته، والأدهى من ذلك أنك لم تهتد بعد إلى الصيغة المثلى التي تجعلك تحكّم الدين الإسلامي السمح في واقع حياتك الاجتماعية، ما دامت لا تنسجم مع الوظيفة الاجتماعية لهذا الدين النبيل، وهي وظيفة تقوم على أسس العدالة والإخاء والمساواة والندّية بين جميع المسلمين.

فهل عرفتني الآن؟ أكاد أجزم بأنّك قد عرفتني، فهل يشاطرني في تلك الأوصاف المهينة التي تصفني بها غيري؟ أنا الصانع التقليدي، أنا من مدحه الآخرون بعبارة "امعلم" وذممتني أنت بها، أنا من شتمته فصبر، واحتقرته فغفر، وتنكّرت له ولدوره وتاريخه فما خان وما غدر.

أيّها المجتمع العزيز لطالما كنتَ أنت الجلاّد وأنا الضحية، وكنتُ في علاقتي بك كطائر الفينيق يشتعل ـ وأنت من أشعله ـ لينتفض من تحت الرماد مردّدا:

بلادي وإن جارت عليّ عزيزة وقومي وإن ضنّوا عليّ كرام

ولكنني اليوم سأنتفض انتفاضة أخرى مدافعا عن وجودي، منتصرا لكرامتي التي أهدرتها على مرّ السنين، لا لشيء إلا لأنني أحببتك وأخلصت لك وخدمتك بيدي، فما قابلت إحساني إلا بالإساءة!

فيا مجتمعي العزيز كفى، لقد تجاوزت الحد في ذمي، لقد قلت فآلمت وانتقدت فأوجعت، فهل لديك دليل مادي تثبت به صحة كل ما ادعيته في حقي فخدشت به كرامتي ورسّخت به دونيتي، هل لك دليل على خيانتي لك، أو كذبي عليك، أو شؤمي أو لؤمي أو تركي لواجبي نحوك، أو تفريطي في حقك عليّ، هل عندك من براهين حسية على أني من طينة أخرى أومن عرق أدنى؟ أم هي محض افتراءات وخرافات وطعون وظنون؟.

لكنّ لديّ ألف دليل على أني وقفت معك في السرّاء والضرّاء، فلولاي ما انتصرت في معركة على هذه الأرض، فأنا من أمدّك بالسيوف والرماح والدروع والمدافع، ووقف معك وقفة رجل واحد في حومة الوغى يذبّ عن هذه الربوع الطاهرة. لولاي ما كان لك من بقاء على هذه الأرض الطيبة وما استطعت التكيّف مع ظروفها الصعبة، فأنا من أعطاك الرحل والسرج والتابوت والفأس والمنجل... لولاي ما اتخذت ظهور العيس مدرسة، فألواحي هي التي نهلت منها معين العلم الذي لا ينضب. إن عندي ألف دليل على أنّي انبجست من طينتك العربية وشربت حتى الثمالة من عقيدتك الإسلامية، وفوق هذا وذاك فقد كان مني العلماء ككل الناس والفضلاء ككل الناس والأتقياء ككل الناس والأوفياء ككل الناس، وأنت تجاهلت كلّ ذلك فحكمت عليّ معمّما بأحكامك الجاهزة الباطلة التي لا أصل لها إلاّ في مخيّلتك الخرافية فقلت: "لا خير في الحدّاد ولو كان عالما". فانتحلت القول وأسأت التقدير.

هل تعرف يا مجتمعي العزيز، يا من لم تعرف بعد ـ للأسف ـ كيف ترد على إحساني بالمثل ـ كم مرة فكّرت في قول الشاعر:

وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خاف القلى متعزّل

فما ردّني عنها إلا ثرى الآباء وصلة الأرحام وعيون الأبناء، ولكن إلى متى سأظل مهانا في بلادي، بناء على الأوهام والخرافات، أما لهذه المهزلة من نهاية؟ 

فيا أيّها المجتمع الموريتاني المسلم أما آن لهذا الزيف أن يتوقف؟ ألم يان لهذا المجتمع الذي يدّعي الإسلام بالمطلق أن يحترم على الأقل مبادئ الإسلام، ما دامت عصبيته الجاهلية تمنعه من أن يطبّق تلك المبادئ في واقع حياته؟ إنّ مبادئ الإسلام واضحة: ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، كلكم لآدم وأدم من تراب، وقل للناس حسنا، دعها فإنّها منتنة...) أليست هذه هي مبادئ الإسلام ومنطلقاته؟ أم أن ثقافة الإسلام عندك أيّها المجتمع الموريتاني لا تعدو أن تكون مجرّد شعار لا يجد طريقه إلى واقع الحياة؟.

لعمري إن العصبية الجاهلية قد أعمت بصيرة هذا المجتمع في كثير من مناحي الحياة عن أن يخضع لتعاليم الإسلام، وجعلته يدافع عن عصبية جاهلية وثقافة خرافية أكثر مما يدافع عن مرتكزات الإسلام وتوجيهاته.

لكنّ عليك أن تعرف أيها المجتمع الموريتاني بمرجعيتك الاجتماعية (القبيلة) وما يعشّش فيها من تقاليد بالية، وسلطتك الدينية (الفقيه) الذي يتخيّر من الدين ما يناسب هواه، ومؤسستك السياسية (الدولة) التي لا تحرّك في موضوع الظلم والغبن الاجتماعي ساكنا. على الكل أن يعلم أن الصانع التقليدي في هذه البلاد قد امتهنت كرامته واستبيح شرفه في الماضي وسكت، ولم تراع معه صلة القربي ولا الرابطة الدينية أو التاريخية أو الوطنية أو حتى الإنسانية وسكت، ولكنّه اليوم لن يسكت على مزيد من الذل والهوان، وقد صدق الشاعر إذ قال:

لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل

وعلى هذا فلا بد أن يعيد المجتمع الموريتاني اليوم إلى الصانع التقليدي كرامته كاملة وحقوقه كاملة واعتباره كاملا غير منقوص. 

على الكلّ أن يعلم أنّ للظلم حدودا وأن للاحتقار حدودا وأن للصبر كذلك حدودا ، فالضغط الاجتماعي لا يولّد إلا الانفجار، والانفجار حين يحدث في مجتمع شديد التماسك ينهار، فماذا حين يكون المجتمع في الأصل ذا تركيبة هشّة؟.

فيا مجتمعي العزيز مهما تجبّرت وتكبّرت وتنكّرت، فأنت أنا، وأنا أنت، هواني هوانك، وشرفي شرفك، ونحن من طينة واحدة، أنا الصانع التقليدي جزء لا يتجزّأ منك، أساويك وأكافئك في كل شيء، في الدين والنسب والتاريخ والعرض والشرف، فكفى استهانة وتهكّما وتنكرا. 

أما أنت أيّها الصانع التقليدي فنصيحتي لك أن تنتفض اليوم لكبريائك، فما ضاع حق وراءه طالب، فعبّر عن ذاتك وافتخر بتاريخك، عليك أن تصيح اليوم بملأ إرادتك: أنا امعلم، وقد كان أبي كذلك وجدّي، فما العيب؟ العيب ليس في هذا، بل العيب كل العيب في هذه الثقافة الاجتماعية الهزيلة التي لا أصول لها لا في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع ولا حتى عند كل الشعوب التي هي أعمق أو أضعف منا وعيا أو تلك التي هي أكثر أو أقلّ منا حضارة، العيب كل العيب في هذه الثقافة الاجتماعية البالية التي أنشأتها عقول بائسة، وتشرّبت منها قلوب مريضة.

العيب كل العيب في هذه التراتبية الاجتماعية الزائفة والتي ما أنزل الله بها من سلطان، هذه التراتبية التي بنى عليه المجتمع نظامه المترهّل. العيب كل العيب في تزييف التاريخ لإعطاء بعض الناس أكثر مما يستحق، وحرمان بعضهم الآخر أقل مما يستحق.

فلتنتفض اليوم أيها الصانع التقليدي الطيب وشعارك "لا ظلم اليوم، أريد كرامتي كاملة، ولتسقط ثقافة المجتمع الخرافية، وليتحطّم نظام القبيلة الهمجي.

لمعلمين تحليل المشكلة وتشكيل الحل/ د. محمد ولد محفوظ

alt

 

الحقيقة أنّ موضوع لمعلمين في موريتانيا موضوع إشكالي لم ينل بعد من الدراسة والتحليل والتمحيص والمعالجة ما يستحقّه، ومكمن إشكاليته ـ في نظري ـ أنّه بقي إلى الآن واحدا من المواضيع القليلة جدا التي لا تزال على حالها جامدة، لم تتغيّر بعْدُ في فضاء عام أبرز خصائصه التحوّل والتغيّر.

ونظرة سريعة تعطي جانبا من الصورة، فمثلا تغيرت الحالة العامة في هذا المنكب البرزخي، فانتقل من السيبة إلى "الدولة"، وانقلبت حياة البداوة إلى واقع التحضّرـ بما أملاه ذلك من تحوّل واسع في كثير من أوجه الحياة ـ ثم تغيّر ذلك الاحتكاك المزمن بين عرب حسان وبين قبائل صنهاجة، واختفت معه حدّة الاستقطاب بين الطرفين، إلى حدّ الانصهار في بوتقة من التجانس والندية، وكذلك تغيّرت ـ إلى حدّ مُطَمْئِن ـ حالة الاسترقاق فخرجت من تحت عباءته غير الإنسانية شريحة الأرقاّء السابقين لتتنفس نسيم الحرية، وغير هذا كثير مما تغيّرـ والحمد لله ـ في موريتانيا، بيد أنّ المجال يضيق هنا عن حصره كاملا.

غير أنّ ما لم يتغيّر بعد في هذا البلد، ولا يلوح في الأفق ـ مع الأسف ـ مؤشّر تغيّره هو الوضعية المزرية لشريحة لمعلمين، أقصد المنزلة الاجتماعية البائسة، والنظرة الدونية التي ينظر بها المجتمع إليهم، وهو ما تمتد آثاره السلبية إلى واقع حياتهم العامة، فيعانون منها معاناة حقيقية على الصعيدين المادّي والمعنوي.

إنّ المتأمّل لهذه الوضعية لا بدّ أن يلاحظ بعض الأسباب البارزة لهذه الظاهرة الغريبة نجملها في ما يلي:
1 ـ البعد الاجتماعي: من المعلوم أنّ المجتمع الموريتاني لا يزال رغم مرور نصف قرن على قيام الدولة الحديثة مجتمعا عشائريا تتحرّك فيه المجموعات داخل دوائرها القبلية بنوع من الاعتزاز والعصبية، يعزّزه الشعور بالانتماء الموحّد، وتدعمه الروابط العرقية والاجتماعية والتاريخية، وهنا تصبح القبيلة بمثابة القوة الضاغطة ـ معنويا على الأقل ـ حفاظا على مكانة أفرادها ـ من غير لمعلمين طبعا ـ ودفاعا عن كرامتهم وفرضا لحضورهم ـ إن لم نقل لنصيبهم بل وأكثر من نصيبهم أحياناـ من الكعكة السياسية والاقتصادية للدولة.

وبما أنّ شريحة لمعلمين لا تنتمي في الأصل إلى مرجعية قبلية واحدة، فهي أسر ومجموعات موزّعة بين القبائل ـ هكذا بالصدفة كما يحلو للبعض أن يقول ـ وإذْ لا جامع بينها في حقيقة الأمر إلاّ الانتماء إلى المهنة، أو إلى من مارسوها في السابق، فقد غابت أيّة لحمة حقيقية بين المنتسبين أو المنسوبين إليها قسريا ـ لا فرق ـ هذا إذا استثنينا طبعا مسألة الزواج وهي لوحدها غير كافية لتحقيق الترابط والتجانس المطلوبين كمنطلق لأيّة لحمة حقيقية.

لقد جعلتهم وضعية التمزّق والانقسام هذه إضافة إلى احتقار الناس لمهنتهم مضغة سائغة وهدفا سهلا للاصطياد في مجتمع لا يحكمه من هذه الناحية إلاّ قانون الغاب.

صحيح أنّ كلّ أسرة من هذه الشريحة ترتبط من الناحية النظرية بمرجعية قبلية معيّنة، ولكنّه ارتباط شكلي تعيش من خلاله على هامش الحياة القبلية، فلا القبيلة هضمتها وأدخلتها في نسيجها الداخلي دما ومصاهرة، ولا هي تحرّرت من ربقة الوجود والانتماء المنقوص لتشكّل مع بقية المنتمين إلى هذه الشريحة نسيجا اجتماعيا موحّدا لانتزاع الهيبة وارتجاع الحقوق، ومواجهة ظلم التقاليد وقسوة المجتمع.
2 ـ البعد التاريخي: يقال إنّ المنتصر هو الذي يكتب التاريخ دائما، وعلى ضوء هذه القولة يمكن أن نفهم لماذا غاب تاريخ لمعلمين عن الكتابة والتدوين، فقد كانوا ـ ولا يزالون ـ على ما هم عليه من الفرقة والتمزّق. وأَنَّى لهم ـ والحالة هذه ـ أن ينتصروا ليكتبوا التاريخ أو يساهموا في كتابته، وقد كانت الأشياء التي تفرّق بينهم ولا زالت، من حيث الانتماء والارتباط والتوزيع الجغرافي والانشغال والطموح أكثر بكثير من الأشياء التي تجمع بينهم، هذا إضافة إلى أن ميل الميزان الديموغرافي وكذلك الوعي بالحقوق والحرص على الذوْدِ عنها ليس في صالحهم.

وغير بعيد عن التاريخ، ومتى علمنا بأنّ هذه الشريحة تعيش في مجتمع تقليدي تهيمن الأسطورة على جانب كبير من تاريخه، وهي أسطورة يوجّهها الماسكون بخيوط اللعبة، فينسجون حول أنفسهم هالة من التقديس والعظمة لا تجعلهم يرضون بأقلّ من أن يكونوا هم بالذات "شعب الله المختار"، ولا تكتمل لوحتهم الميتولوجية إلاّ بإدارة دفّة الأسطورة من جديد لتسلب من الآخرين هذه المرّة حتّى كلّ اعتبار آدمي، وبطبيعة الحال ستكون شريحة لمعلمين هي من يتصدّر الوجه السلبي للأسطورة، ولا أدلّ على ذلك من القول بأن هذه الفئة لا أصل لها. "كبُرَتْ كلِمَة تخْرُجُ مِنْ أفوَاهِهِمْ إنْ يَقُولونَ إلاّ كذِبَا".

ثم إنّ الكثيرين من الذين كتبوا عن التاريخ الموريتاني كتبوا عنه وهم إمّا واقعون تحت نشوة الشعور بالعظمة، أو في أبسط الحالات تحت تأثير أسطرة التاريخ، ولذلك انتابهم الهاجس نفسه، وهو هاجس النرجسية الذاتية والقومية (بالمعنى القبلي) بعيدا عن الحياد والموضوعية، لقد كتبوا عن التاريخ وأعينهم مسلّطة على ما يمكن أن يجنوه هم وقومهم من منافع مادية ومعنوية، دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء البحث عن حقيقة التاريخ وحقيقة المجموعات والشرائح التي يكتبون عنها، وحتى دون مراعاة ضرورة الالتزام في ما يكتبون عن هذا وذاك بما يقتضيه المقام من الصدق والمهنية.
3 ـ البعد الثقافي: عملت الثقافة الاجتماعية في موريتانيا عبر كلّ فتراتها التاريخية على شيطنة لمعلمين والحطّ من مكانتهم وتدنيس سمعتهم، وإذا كان من المعلوم أنّ كلّ شرائح المجتمع الموريتاني قد ساهمت في ممارسة الخطيئة المادية للاسترقاق، إلاّ أنّه من غير المعروف تماما أنّ كلّ الشرائح مارست وبالقدر نفسه خطيئة معنوية لا تقل خطورة ألا وهي النهش من أعراض هذه الشريحة مع الشتم والقذف، فأصبحت مضرب المثل لدى كلّ الناس في مجال الأوصاف الردئية كالكذب والنفاق والشره والشؤم.

بل إنّ هذه الشريحة أصبحت كسلّة المهملات يرمي فيها المجتمع كلّ نفاياته، فلا لسان يذكرها إلاّ بشر، ولا عالم يذبّ عنها بما علّمه الله، ولا مثقّف يدافع عنها، ولو إخلاصا لما يمليه عليه واجب المثقّف، ولا سياسي مخلصا يطرحها على أجندته من ضمن أولوياته ومشاريعه الإصلاحية.

وإذا كان من المسلّمات الفيزيائية أنّ لكلّ فعل ردة فعل تساويه في القوة وتعاكسه في الاتجاه، فإنّ هذه النظرية أثبتت فشلها أيضا في موضوع لمعلمين، حيث لا ردّة فعل من قبلهم على ما يسومهم به المجتمع من سوء القول والفعل، هذا إذا استثنينا بعض التململ الذي بدأ يظهر أخيرا على شكل مقالات في المواقع الإلكترونية، ومن البديهي أنّها لوحدها ليست كافية لإيقاف سيل الاتهامات التي يكيلها المجتمع ـ بلا حسيب ولا رقيب ـ لهذه الشريحة، مما امتلأت به النفوس وتشرّبت منه العقول، وأصبح إمكان إيقافه تحديا في غاية الصعوبة.
4 ـ البعد السياسي: لعله من نافلة القول إنّ الدولة بمعناها الحقيقي لا تزال في كثير من مناحي الحياة "كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسِبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً، حَتّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا..." فلو أنّ الدولة وُجِدَتْ بالفعل ـ لا بالقوة ـ وتحمّلت مسؤولياتها كاملة في هذا المجال، لحُلّ هذا الإشكال منذ زمن بعيد، ولربحنا من الوقت ما نخسره اليوم في كتابة هذه المقالات.

غير أنّ الدولة الموريتانية ممثّلة في نظامها السياسي عبر كلّ فتراته التاريخية تقريبا هي دولة مركّبة ومتناقضة، فهي دولة ظاهر زائف يتشدّق بتكريس القيم السامية كالإنسانية والعدل، ويتظاهر بالدفاع المزعوم عن حقوق المواطنين وخاصة الذين هم أكثر هشاشة وأقلّ حماية، ولكنها في حقيقة الأمر هي دولة باطن متحكّم يرعى الاصطفافات الإثنية والعشائرية، ويعتاش على إذكاء النعرات الطائفية والقبلية والجهوية.

ومن هذا المنطلق كان من الواضح أنّ الدولة الوطنية لم تبذل منذ قيامها إلى اليوم أيّ جهد يذكر في سبيل رفع الظلم المادي أو المعنوي الذي تعاني منه هذه الشريحة، فلا هي عملت من خلال برامجها الثقافية والتربوية على تحسين صورتها لدى الرأي العام، ولا أشركتها ـ بالقدر الذي يحصل عليه السكوت ـ في المناصب السياسية والإدارية، أحرى أن تعمل على محو الفوارق بينها وبين غيرها من فئات المجتمع، وفوق هذا وذاك بقيت كلّ القيم الإيجابية التي ينصّ عليها الدستور والتي تكرّس الندية والمساواة حبرا على ورق، لأنّها لم تشفع بإجراءات عملية مصاحبة، ولا حتّى بنيّة صادقة لإنزالها منزلة الواقع المعيش.

بعد هذا التحليل صار من اللازم أن يتمّ التأكيد على أنّ الصورة النمطية التي تختزنها الذاكرة الاجتماعية في موريتانيا حول لمعلمين مشوّهة بالكامل، وباطلة في أصولها وفروعها، فهذه الشريحة هي جزء من النسيج الاجتماعي الموريتاني العام، فمنها الأشراف والعرب والزوايا وغيرهم، وهذا ما تدلّ عليه أصولهم ولغتهم وألوان بشرتهم وأنماط حياتهم وتقاليدهم. ولهذا فلقد كان منهم في السابق حملة السيف وحملة القلم، وأصبح منهم اليوم العلماء والأئمة والكتّاب والشعراء.

إن كلّ ما يروى عن دونية هذه الشريحة زائف دينيا لقوله تعالى، وهو أصدق القائلين: "يَا أَيُّّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلقنَاكُمْ مِنْ ذكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقبَائِلَ لِتعَارَفُوا إِنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ"، فماذا يمكن لهذا المجتمع "العصبي القبلي" أن يقنعنا به بعْدُ من تراتبية وأفضلية أحسن وأصدق مما جاء في القرآن الكريم؟!

ثم إنّه زائف تاريخيا لأن الذين أوتوا بسطة من العلم، والذين كتبوا عن التاريخ بموضوعية ـ على قلّتهم ـ وكذلك الذين لا تأخذهم في الحقّ لومة لائم، أكّدوا مجتمعين على أنّ هذه الفئة من الطينة نفسها التي تنتمي إليها سائر مجموعات هذا البلد.

وزائف اجتماعيا لأنّ هذه الفوارق الاجتماعية والمتاريس القائمة هي حدود وهمية وحواجز مصطنعة تعشّس في أذهان المتباكين على أطلال بلاد السيبة وعصبية البداوة وخرافة الأسطورة.

وزائف ثقافيا لأن كلّ ما ألصق بهذه الشريحة من الأوصاف السيّئة، هي أوصاف عامة، لا موطن لها، قد توجد في البعض من المنتسبين لهذه الشريحة، ما في ذلك شك، ولكنّها بالتأكيد موجودة عند البعض الآخر ومن كلّ الشرائح المتبقية، وعلمي أنّه لم تُجْرَ بعد إحصائية ـ لا دقيقة ولا غير دقيقة ـ حتّى يتأكّد للجميع أين ترتفع النسبة وأين تنخفض.

وكذلك فإنّه زائف من الناحية السياسية لأنّ المنحدرين من هذه الفئة لا تزال تجربتهم في إدارة الشأن العام شبه معدومة، ومن ثم فلا يجوز الحكم عليهم لا بالفشل السياسي أو لا بعدمه، لأنّ الأصل في الأشياء براءة الذمة، ولا يجوز الطعن في هذا الأصل حتى يثبت العكس.

ويبقى من المهم في الختام الإشارة إلى بعض الملاحظات التي ستُسْهم ـ في حالة العمل بها ـ في الحدّ من هذه المشكلة، في انتظار الأمل الموعود الذي بتحقّقه يتمّ رفع المعاناة بالكامل.
1 ـ أن يحدث حراك ثقافي وإعلامي متزامن من ذوي الضمائر الأبية والأقلام النبيلة في الإذاعة والتلفزيون وعبر المواقع الألكترونية ـ وأقصد هنا المؤسسات الخاصة ما دام الأمل في العمومية يكاد يكون مفقوداـ وذلك من أجل تغيير الصورة النمطية السيئة الماثلة في أذهان الكثيرين من هذا المجتمع حول هذه الفئة.
2 ـ أن تطّلع الدولة ـ وهو لعمري مطلب في بحر من المطالب، الله وحده أعلم بعمقه واتساعه ـ بمسؤوليتها في هذا المجال، فتحسّن معنويا من وضعية هذه الشريحة عن طريق برامج التوعية، والبرامج الثقافية والتربوية، وسياسيا بإشراكها في المناصب السياسية والإدارية كحق لا مجال للتغاضي عنه، واقتصاديا عن طريق دعم رابطات الصناع التقليديين وتشجيع منتجاتهم، ومن المهم في هذا السياق أن يقرّر يوم وطني للصناعة التقليدية.
3 ـ أن يقوم العلماء والأئمة، والكتّاب والمثقّفون، كلّ من موقعه بالحديث عن هذه المسألة، وتبيين حقيقتها للناس، لأن جانبا كبيرا من المشكلة يعود إلى الجهل والأمية، وليقع تركيزهم في هذا السياق على مطالبتهم الناس بتكسير الفوارق الاجتماعية وتحطيم التراتبية التي لا أصل لها في الدين الإسلامي الحنيف، وذلك عن طريق الدعوة إلى تشجيع المصاهرة المتبادلة باعتبارها إحدى أهم الخطوات التي ستساهم في حلّ هذه المشكلة الاجتماعية الشائكة.
4 ـ من المهم في هذه الناحية أن تكون البداية باندماج اجتماعي حقيقي بين شريحتي الصناع التقليديين والفنانين التقليديين، ربّما على طريقة امرئ القيس حين قال:
أجارتنا إنّا غريبان ها هنا وكلّ غريب للغريب نسيب
والغربة هنا ـ بطبيعة الحال ـ غربة نفسية فرضها المجتمع ولم تكسّرها الشريحتان بعْدُ، وفي انتظار لحظة التكسير التي هي آتية لا ريب فيها، يجب أن يقود هذا الاندماج إلى لحمة اجتماعية وتحالف سياسي يؤدّي إلى قوة ضاغطة تسمح لهاتين الشريحتين اللتين تعانيان من الإقصاء والتهميش بلعب أدوار قيادية ـ لا تبعية ـ على صعيد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية العامة، ولتكن هذه الخطوة بدورها خطوة مهمّة، وقوة دفع معتبرة في اتّجاه مزيد من الانفتاح وصولا إلى التكامل والتداخل المطلوب بين النسيج الاجتماعي العام.
5 ـ على كلّ القادرين من أبناء شريحة لمعلمين أن يناضلوا ثقافيا وسياسيا وعبر كلّ المنابر، وبالكلمة الطيّبة والفكر الواعي المستنير، والجدال بالتي هي أحسن دفاعا عن شرفهم، وتحقيقا لإنسانيتهم الكاملة وحقّهم المشروع في العيش الكريم على هذه الأرض الطيبة التي هي أمانة الآباء والأجداد.